تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
آلاف من الوطنين وطردهم من وظائفهم في الحكومة ، وهم ذوو أهل وعيال لا عيش لهم إلا من رواتب الخدم الوطنية ، وحل محلهم في الوظائف أخلاط من الإنجليز وكسدت أسواق التجارة وغلت أيدي الزارعين عن العمل في الفلاحة بفقد الأمن وعموم الاضطراب وامتنعت الأرض عن الإنبات بإهمال الأعمال العامة واستولى الفقر على الفلاحين حتى عجزوا عن وفاء ديونهم وقصرت أيديهم عن أداء ما عليهم من الضرائب لحكومتهم . ومع كل هذا ترى الإنجليز لا تأخذهم ريبة في أنهم عادلون قوامون بالقسط ، وأن حلولهم في أي قطر وسلطتهم على أي شعب مقرونة بالسعادة والرفاهة والأمن والراحة ، ويعجبون كل العجب من انحراف المصريين عنهم ونفرة قلوبهم منهم ويقولون يا سبحان اللَّه كيف يوجد بين جمعيات سرية أو جهرية تتخالف على بعضهم وتجتمع الألفة من العبودية لهم ؟ ! وكيف يختلج في خاطر مصري أن ينقم على الإنجليز ؟ ! ولما أحسوا بحركة الخواطر واشتعال الحمية في نفوس بعض المصريين وتوجسوا الخيفة من إقدامهم على كلمة الحق ، وهي بلادنا لنا ، ونحن أعلم بمصلحتنا من غيرنا ، ولا نريد أن نكون طعمة للإنجليز ، أرادوا أن يقيموا برهانًا على عدلهم ويوطنوا النفوس على الرضا بحكمهم كل ضغينة من قلوب المصريين ، بالقوة العسكرية ، كأنهم بإطلاق النيران وسل السيوف يودعون في القلوب محبة ، وفي النفوس رضاية ، وهي طريقة جديدة في إزالة التنافر وإيجاد التآلف وربما كانت سنة قديمة عند الإنجليز . وجاء في برقية من مراسل التايمس في القاهرة أن العساكر الإنجليزية انتشرت في شوارع القاهرة شاكية السلاح لتعزيز قوة حفظ الأمن ، والحامل على ذلك ما تأكد عند حفاظ الأمن من الإنجليز أن في تلك المدينة جمعيات جهرية أو سرية ، أو أن فيها أشخاصًا مصريين يحبون بلادهم ولا يودون أن يكون السلطان في حكومتها لأجنبي عنهم خصوصًا إن كان ظالًما فيهم ، أو أن في تلك المدينة من يخطر بباله أن يقول كما يقول أدنى رجل من الإنجليز : إن مصلحة وطننا مقدمة على كل مصلحة ، أو أن فيها من يحدث نفسه بأن الإنجليز لا خير في ولايتهم ، ويرى شقاء بلاده في
العروة الوثقى — صفحة 380 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده