إنجلترا وفرنسا
أصغت آذان الراغبين في الوقوف على نهاية الحوادث المصرية لاستماع ما يتحدث به بين الحكومات الأوروپية من يوم دعت أنجلترا جميع الدول العظام للاجتماع في مؤتمر ينظر في بعض المسائل المصرية . إلا أنها منعت دون حجاب الكتمان وإنما كانت تصل إليها دندنة أو جلبة أو غمغمة أو جمجمة ، وكل حس يصلها يثير رواكد الأوهام فتهيج فيها غرائب الصور والأشكال ، والمذاعون من أرباب الجرائد في أوروپا وهم أشبه بالداعين إلى الألاعيب والكموديات كانوا يذهبون من الكلام وجوهًا مختلفة ويتنافسون في التمثيل والتصوير للتغرير والتهويل حتى أبرزوا الأرض في صورة السماء والسماء في صورة الأرض خصوصًا فيما يتعلق بالمفاوضات التي كانت جارية بين وزارتي فرنسا وإنجلترا ، فكان يخيل لمتصفح جرائدهم أن البحار غاصة بالمراكب والمدرعات يصادم بعضها بعضًا وأن فضاء البر أعضل بالجيوش المتلاحمة لا يجد السالك من بينها سبيلا وتجسم الخيال لأرباب الأذهان الحادة ، فكان منهم مهندسو حرب يعينون مواقع العساكر وطرق المصاولة وجموع المتلاحمين تجول في أذهانهم يمينًا وشمالًا ويموج بعضها في بعض وكأنما كانت مخيلاتهم معرضاً لجيوش العالمين وكان في كل فوج داعيًا وفي كل قبيل مناديًا يقول حقي هذا ، فهيعات تتعالى وزفرات تتصاعد وأرغاء وأزباد وتقطب في الوجوه وشزر في المناظر ، وفي كل ذلك هول يأخذ بالألباب . والعارفون بقوة فرنسا البرية والبحرية والذين يقدرون حقوقها حق قدرها كانوا يعتقدون أن تمثال العظمة البريطانية أصبح منكس الرأس منحني الظهر قد هوى بهامته إلى ركبته يتوارى من الناس خجلًا بما ظهر من ضعفه وعجزه ، وأن حكومة إنجلترا ستعود بالخيبة ( وإن أعدت فيالق من التهديد وجحافل من الأوغاد ) وتقوت هذه الأوهام بما يطنطن أرباب الجرائد ، وولعت النفوس بالوقوف على الحقيقة وانبعثت رسل الأفكار تجوس خلال الشؤون والأطوار ، لتصل إلى شيء من هذه