تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
المحافظة الإنجليزية في أيرلندا وبين الأهالي ، ومنها ما حدث في ثامن هذا الشهر ( يونيو ) من معركة بين العساكر والعامة جرح فيها كثير . هل جلاء الأيرلنديين وتهافتهم على الموت وسآمتهم من الحياة في معاندة السلطة الإنجليزية ناشىء عن نفرتهم من العدل وكراهتهم للراحة والميل إليهما طبيعي في فطرة البشر ؟ ! أظن لو كان عدلا حقيقيا يعرفه بنو الإنسان لما نبت عنه الطباع ، ولا آثرت الأنفس الموت على التمتع به ، ولا طلب الخلاص منه أقوام يتحدون مع أرباب السلطة في الجنس واللغة والدين ، ولا فضلوا على مهاجرة الأوطان واحتمال آلام الغربة ، ومشاق التطوح في أراض لا يجدون فيها من العيش إلا لماجا ( أدني ما يؤكل ) ولكنه عدل تفرد به الإنجليز من بين الحيوانات الناطقة ، من أحكامه أن توضع الجزية على كنائس الكاثوليك تؤديها إلى كنائس الپروتستانت عن يد وهي صاغرة ، واستمر ذلك إلى عهد قريب ، ومن مقتضياته أن يكون الأيرلندى خادمًا بل عبدًا رقا لأمراء البريطانيين لا يتركون من لوازم الحياة إلا ما يشتغل به لتنمية ثروتهم وتوفير لذتهم - إن كان هذا العدل لا يوافق أذواق المتفقين معهم في الصفات السابق ذكرها فكيف ترجى ملاءمته لأذواق الذين لا نسبة بينهم وبينهم ولا صلة تجمعهم معهم لا في لغة ولا جنس ولا دين - هذا النوع البهيج من العدل ظهرت له أثار في البلاد الهندية - دخلها الإنجليز وهي أغني أرض في العالم ، وأخصب تربة في المسكونة ، وسكانها أنعم الناس عيشًا ، وأوسعهم ثروة ، فإذا هي اليوم بسر العدالة كأنها صفاصف وأمرات ( أراض لا نبات بها ) أهاليها حفاة عراة أذلاء ، رضوا من المعيشة بالشظف ، ومن القوت بالعلف ، وما يجدون ما به يقنعون ، تراهم بعد ما سلبوا أملاكهم ، وابتزوا ثروتهم ، واستأثر الإنجليز بجميع ما كان لهم يطلبون التعيش في المهن الدنيئة ولا يصلون إلى ما يطلبون ، يكون منهم الكاتب المنشىء البليغ الحاسب يقطع الأرض سعيًا من بلد إلى بلد ومن ولاية إلى ولاية ليحصل خدمة ينال من أجرها ثلاثين فرنكا في الشهر ولا يسعده الحظ بنوالها - ومن سنتين دخلوا مصر وهي أرض الراحة والسلام وأهلوها في رغد من العيش ، وأمن من الغوائل ، فإذا هي اليوم ببركة العدل الإنجليزي ، وحسن الإدارة البريطانية ، أرض الفتن ، ومجالات الحروب ، ومضارب الخلل والفساد ، قضت العدالة بحرمان