يا عجبًا ، ما هذا الخمول ؟ ! ولم هذا الانزواء للذهول عمّا رزئت به أوطانهم ؟ ! كيف وأسنة الحوادث مصوبة إلى أفئدتهم ؟ ! وألسنتها تلغ في دماء قلوبهم العوز والحاجة ؟ ! كيف وإنا نعرف فيهم الأغنياء الموسرين ، ومن لا تنفد ثروتهم إلا بأيدي أعدائهم المتغلبين ، إذا استمروا في تماديهم هذا الشح والحرص ؟
كيف وفيهم الأسخياء ومن أشرفوا في البذل على الإسراف والتبذير فيما لا ينالون منه إلا مدحة في الوجه ، ورفعة لا وجود لها إلا في الوهم ؟ ! الخوف والجبن . كيف وقد بدا لهم أن الخطر في سكوتهم أشد من الخطر في عويلهم وصياحهم ، الراحة مفقودة ، والنظام مختل ، والحقوق ضائعة ، والفتن محدقة بهم . والأجانب ضربوا خناجرهم على حناجرهم ، فلو لم يتداركوا أنفسهم بالسعي في كشف هذه البلايا لأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ، بل الخطر كل الخطر إنما هو في إهمال مصلحة الوطن وليس على ساع في خير وطنه وملته في خطر . إذا أتي البيوت من أبوابها ، وطلب الغاية بأسبابها ، فمن أي شيء يخافون ، وأي سلطة يرهبون ؟ ! إن لم يكن لجراح الوطن أثر في أفئدتهم ، فأين الإحساس الطبيعي المودع في نفوس البشر ، الباعث على المباراة والمنافسة ؟ إنا للَّهو إنا إليه راجعون .
العروة الوثقى — صفحة 377
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٧٧