تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦

هذا

سررنا بملاقاة أفاضل من أرباب الجرائد في مصر أتوا إلى أوروپا ليحضروا مؤتمر في لندن ويقفوا على دقائق المفاوضات التي تجري فيه متعلقة بالمسألة المصرية وينشروها مع ما تجود به قرائحهم من الرأي الصحيح في جرائدهم تنويرًا للأفهام ، وتنبيهًا للأفكار ، فحمدنا سعيهم ، وشكرنا صنيعهم ، وأعظمنا همتهم ، في خدمة البلاد المصرية ، قيامًا بما فرضته عليهم الجامعة المشرقية ، وما أوجبته ذمة الجوار ، وإن لم يكونوا ممن نبت في تراب مصر ، ولا جبل من طينتها ، ولكننا أسفنا غاية الأسف على احتمالهم لهذا العمل العظيم أفذاذًا بلا معززين لهم من أبناء الديار المصرية لامن المسلمين ، ولا من المسيحيين ، أولئك الذين حفت بهم المكاره ، وداهمتهم مغيرات الرزايا من كل جانب ، ولهم في البلاد نسب صريح ، وورثوا ما أقاموا فيه عن آبائهم وأجدادهم من أجيال طويلة ، وفيهم عارفون باللغات الأجنبية على اختلافها ، ومنهم من نال شرف المعرفة على نفقة بلاده ، وإنما كانت تعده البلاد لمثل هذه المهمات . ألا يوجد بينهم شاب يغلي دمه وتجيش أحشاؤه لما تزل بدياره وبني وطنه مما يتألم له العالم أجمع ؟ ! أو إن لم يكن هذا ففتى يعظم همه ، ويسمو عزمه ، فيطلب ذكرًا رفيعًا ، وثناء باقيًا ، فتنهض همته للشكاية من مصابه ومصاب إخوانه ، أو لإرشادهم إلى ما به النجاة ، وما يتوسلون به إلى الخلاص ، ألا يوجد شيخ قضى وطره من الدنيا وفاضت عليه البلاد بخيرها يتذكر نعم الأوطان عليه ، فينبعث لأداء شكرها بما يستطيع من خدمتها ؟ ! ألا يوجد من هؤلاء وهؤلاء أغنياء لا يخافون إعدامًا فيتسامحون في بذل شيء من فضل ما لهم ينفقونه على أنفسهم في طلب الإنصاف لدى الدول التي يهمها النظر في شؤونهم ؟ ! ألا يوجد فيهم من ورث عن آبائه ثروة واسعة وهو يبددها فيما لا يعود عليه بمجد ثابت ولا شرف دائم ، فيجعل الإنفاق على نفسه في السفر لهذه الغاية المحمودة داخلا في دائرة إسرافه .
العروة الوثقى — صفحة 376 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده