هم يسعون لإلزام توفيق باشا بنصب ثلاثة مفتشين من الإنجليز أحدهم في القاهرة والثاني في مصر السفلى ( مفتش وجه بحري ) والثالث في مصر العليا ( مفتش وجه قلبي ) على أنهم لا يعزلون إلا بأمر من إنجلترا فتنقلب الإدارة إنجليزية محضة لا يبقى فيها لحكام مصر إلا نهاية حال الذليل ، الامتثال والطاعة .
تصرفوا في الأراضي المصرية العثمانية تصرف المالك فمنحوا منها بقاعًا وفرضًا على البحر لملك الحبشة ، وحالفوه على أن يسوق جيشًا ينازل المسلمين في أراضيهم ، رجاء تذليلهم وإخماد أنفسهم وفي أثناء هرولتهم إلى مطامعهم يثيرون في أعين الدول غبارًا ، ويرفعون جلبة ، ويصيحون بأن لا غرض لنا إلا إقرار الراحة وإعادة النظام ، ويقيمون الحجة على إخلاصهم برغبتهم إلى الدول في مساعدتهم على حل بعض المشكلات المالية ، مع أنهم لا يرغبون عقد المؤتمر إلا لينالوا منه ما يزيد قدمهم رسوخًا في مصر . وعلموا أن لفرنسا مصلحة في مناوأتهم فطفقوا يهددونها بالتحالف مع ألمانيا أو التقرب إليها إن لم تتساهل معهم ليحملوها بالتهديد على الرضاء بإبقاء عساكرهم في مصر إلى سنة 1888 تحت اسم إقرار الراحة ، على شرط أن لا يكون بعد مدة إلا بإجماع جميع الدول التي يكون لها نواب في المؤتمر ، بحيث لو وافقهم إحداهن على إطالة المدة فيما بعد لكفى في تمديد الأجل أو إطلاقه ، وليس بخاف ما يقصدون من هذا الشرط .
فإنهم يعلمون في اختلاف مصالح الدول وتضارب السياسات ما لا يعدمون معه وسيلة لإرضاء دولة واحدة في زمن من الأزمان بالموافقة على مد الأمد ، ولا نخال دولة فرنسا يقف نظرها دون هذا الحجاب الرقيق وهو يشف عن ملم عظيم لا تسلم منه مملكة من ممالكها في المشرق ، ولا نظنها تذعن لقبول هذا الشرط ، وإن قبلته دولة لا مصلحة لها في مصر ولا يهمها إلا معاكسة فرنسا . فكأنما سلك تصرف الإنجليز من خمس سنوات في سلسلة من الألاعيب نهايتها للتسلط على مصر في هذا المؤتمر بدعوى ثروة المالية المصرية ، وإن عجزها من الخيانة فيها ، وتوسلوا بذلك لانقلاب في هيئة الحكومة ثم ألجاءوا عرابي للدخول في العصيان ليعتلوا به في الزحف لتأييد الحاكم ، ثم وسعوا دائرة الخلل ليكون وسيلة إلى سلطة لا تحد يؤملون نيلها في هذا المؤتمر . زينوا للدولة العثمانية أن تصول على
العروة الوثقى — صفحة 373
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٧٣