تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
سياسته وترك فرنسا منفردة بلا حليف وله أن يلقي بمصلحة العثمانيين في أيدي الروس إذا مست الحاجة ليدفع عن نفسه شرا يتوقعه ، وليس لبسمارك أدنى غاية في الاتصال بالعثمانيين إلا بهذا المقدار يفدي بهم منفعة من منافعه . ومن نظر إلى أحوال الأمم بما تقتضيه طبائعها ، حكم بذلك حكمًا قاطعًا . نعم من الدول دولة فرنسا كانت لها مزايا في أرض مصر أشرفت على الزوال وليس بالسهل علينا ضياعها ، ولها أملاك واسعة فيما وراء البحر الأحمر ولا تصان سلطتها على تلك الأملاك إذا نشبت أظافر الإنجليز في أحشاء مصر بأي اسم كان وتحت أي عنوان ، فأصول السياسة الفرنسية لا تسمح للفرنسيين بالتساهل في المسائل المصرية . ودولة الروس تسابق دولة إنجلترا في النصر والغيب بشرقي آسيا ، وتنافس الألمان في القوة بأوروپا ولها مع ألمانيا مزاحمات خفية ثابتة في عناصر الأمتين لا يزيلها هذا التآلف الظاهري ، فقد يكون من أحكام سياستها الانضمام إلى دولة فرنسا لمضايقة إنجلترا في البلاد المصرية ، بل النظر في طبيعة حال الأمتين يقضي بلزوم اتحادهما في المشكلات الأوروپية أيضًا وربما تكون هذه المسألة بداية الارتباط بين هاتين الدولتين . ولعل هذه الفرصة لا تفوت العثمانيين ولا تحجبهم الحوادث الماضية عن إدراك هذه النكتة ، وهي أن الروسيين هم أشد الناس حاجة إلى الاتحاد مع الدولة العثمانية في هذه الأوقات لما فُتحَ لهم من أبواب للغنم في آسيا ويرون الألف مع العثمانيين أعظم عضدا لهم في نيل مطامحهم بتلك الأقطار ، بما للسلطان من المنزلة العليا في قلوب مسلميها ولا تأخذ العثمانيين رجفة من إرعاد الإنجليز وإبراقهم فليس لهم سلاح يشهرونه على الدولة العثمانية سوى الترهيب . ومن المحال أن يفاتحوها بحرب وإلا تقلصت سلطتهم عن البلاد الشرقية بأسرها . فإذا ثبتت الدولة في مطالبها واشتدت في إرجاع حقوقها لجأ الإنجليز للخضوع والاستكانة إليها وهذا من البديهيات الجلية عند كل من وقف على أحوال الإنجليز في الهند وعلى مكانة السلطان العثماني في قلوب الهنديين عمومًا ، والحكم للَّه‌يفعل ما يشاء .