تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
ذلك ، وربما لا ينكر الآن أن كثيرًا من عامة المسلمين وإن صحّت عقائدهم من حيث ما تعلّق به الاعتقاد إلا أنهم لا ينهجون في بعض أعمالهم منهاج الشريعة الغرّاء ، وهذا مما يحدث ضعفًا في قوّة الأمة بقدر الميل عن جادة الاعتدال في الفضائل والأعمال « وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » [ الشورى : 30 ] . إلا أن المسلمين لم يزالوا على أصول الفضائل الموروثة عن أسلافهم ولهم حسن الإذعان بما جاء به شرعهم وكتاب الله متلو على ألسنتهم ، وسنّة نبيّهم يتناقلونها رواية ودراية ، وسير الخلفاء الراشدين والسلف الصالح مرسومة على صفحات نفوس الخاصة منهم ، فليس ما طرأ على بعضهم من الغفلة عن متابعة الشرع وما تسبب عنه من الضعف في القوة إلا عرضًا لا يبقى وحالًا لا يدوم . انظر نظرة إنصاف إلى ما أودعتهُ آيات القرآن من غرر الفضائل وكرائم الشيم ، وإلى حرص المسلمين على احترام كتابهم وتبجيله ، تجد من نفسك حكَمًا باتا بأن علماء الديانة الإسلامية لو نشطوا لأداء وظائفهم المفروضة عليهم بحكم وراثتهم لصاحب الشرع ، والمحتومة على ذمتهم بأمر الله الموجّه إلى الذين يعقلونه وهم هم في قوله الحق : « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ » [ آل عمران : 104 ] وبالحض الإلهي المفهوم من قوله : « فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ » « المؤمنين » « طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » [ التوبة : 122 ] . ولو قاموا يعظون العامة بما ينطق به القرآن ويذكرونهم بما كان عليه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الناهجون على سنته من الأخلاق المحمودة والأعمال المبرورة ، لرأيت أن الأمة الإسلامية ناشطة من عقالها ، متضافرة على إعادة مجدها وصيانة ولايتها العامة من الضعف ، وبيضة دينها من الصدع ، كل ذلك في أقرب وقت ، ولن تكون إلا صيحة واحدة فإذا هم قيام ينظرون . ولا ريب أن الراسخين في العلم من أهل الدين الإسلامي يعلمون أن ما أصيب به المسلمون في هذه الأزمان الأخيرة ، إنما هو مما امتحنهم الله به جزاء على بعض ما
العروة الوثقى — صفحة 155 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده