المؤمنين و الكبر شعار المتجبّرين . ذكر أنّ رجلا قال للحسن البصرى - رحمة اللّه عليه - : يا أبا سعيد ، إنّك لعظيم في نفسك فقال : لا ، و لكنّى عزيز في نفسى لأنّى رأيت اللّه تعالى يقول : وَ للِهِّ الْعِزَّةُ وَ لرِسَوُلهِِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ . ( 1 ) و فقد فرّق الشاعر بين العزّ و الكبر في قوله :
بنى جعفر أنتم سماء رياسة * مناقبكم في افقها أنجم زهر
طريقتكم مثلى ( 2 ) و هداكم رضا * و مذهبكم قصد و نائلكم غمر
عطاء و لا منّ و حكم و لا هوى * و حلم و لا عجز و عزّ و لا كبر
فالتعزّز له حدّ ، لا ينبغي للعبد أن يتجاوزه فيخرج إلى حدّ الكبر . فالتعزّز هو أن يصون الانسان نفسه عن الامور التي تشينه في دينه و مروتّه ، كمن يمشى في الطرق مكشوف الرأس ، و يتوهّمه أنّ هذا من التواضع ، و هذا خطأ و رذيلة . و ربما كانت هذه الحالة التي يتوهّم صاحبها أنّها كسر نفس و تواضع تترفّع بها النفس ، و تخيّل إلى فاعلها أنّ أحدا لا يستطيع أن يفعل فعلك ، فيصير ذلك تكبّرا من حيث ظنّ أنهّ تواضع ، و ما أحسن ما قيل في المعنى :
كريم له نفسان نفس عظيمة * ينزهّه عن كلّ أمر يشينه
و نفس لها عن ساحة الكبر مصرف * فتظهر منه للأخلّاء لينه
فكما ينبغي للانسان المتعزّز أن يجانب الكبر ، كذا ينبغي للانسان المتواضع أن لا يفرط في التواضع فيخرج إلى حدّ الضعة و المهانة ، ليراع الانسان ذلك و لا يمهله . » انتهى كلامه . عن الأصمعى قال : اجتزت في بعض سلك ( 3 ) الكوفة ، فإذا أنا برجل قد خرج من حشّ على كتفه جرّة ( 4 ) ، و هو يقول :
و أكرم نفسى إنّنى إن أهنتها * و حقّك لم تكره على أحد بعدى
هامش
( 1 ) المنافقون : 8
( 2 ) مثلى : نمونه كامل
( 3 ) اجتزت : عبور كردم ، گذشتم ، سلك : راه ، معبر
( 4 ) حشّ : بستان ، نخلستان ، جرّة : سبو ، جرّة : دام آهو .