( إن أولياء اللّه هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا ) وعرفوا حقيقتها ووقفوا على ما يطلب منهم بها فعرفوا أنها دار جعلت من أجل الآخرة يتزود الإنسان منها لسعادته عكس غيرهم ( إذ نظر الناس إلى ظاهرها ) فوجدوها طيبة بملذاتها ومتعها وما فيها ( و ) أيضا من مميزاتهم أنهم ( اشتغلوا بأجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ) فالناس تبحث عن لقمة عيش وعن قصر وعن جاه وعن سلطان وعن غير هذه من زينة الدنيا فحسب بينما الأولياء يتوجهون إلى طاعة اللّه وإلى الاجتهاد في عبادته وتقواه ويقومون بكل ما يسعدهم في آخرتهم وقد أماتوا نفوسهم الشريرة وما فيها من أحقاد وحسد وبغض وغيرها من الصفات الرذيلة قبل أن تميتهم في الآخرة وتقضي على سعادتهم وحياتهم الخالدة في الجنان وكذلك تركوا الدنيا وما فيها لأنها ستتركهم وتتخلى عنهم ( و ) من صفاتهم تفكيرهم أنهم ( رأوا استكثار غيرهم منها ) من مال وثروة ومتاع ( استقلالا ) أي أرادوه قليلا لهم ولم يقبلوا باستكثاره كما يفعل أبناء الدنيا لأنه شيء تافه ولا ( و ) كذلك رأوا ( دركهم لها ) وحصولها لهم ( فوتا ) أي مفوت لهم عن نيل المطالب العالية والأماني السعيدة إنهم ( أعداء ما سالم الناس ) من الرذائل وخسيس الصفات حيث إن الناس يسالمون الرذيلة ولا يقاتلون الفسق ولا يعادون الباطل بينما الأولياء للهّ أعداء ذلك كله ( وسلم ما عادى الناس ) فإن الناس يعادون الحق والعدل والفضيلة وهذه سلم للأولياء ومحبوبة لهم ومطلوبة عندهم ( بهم علم الكتاب ) حيث بينوه للناس وأوضحوا غوامضه وبينوا أحكامه ( وبه علموا ) ومنه استفادوا وعن صفحاته فهموا ( وبهم قام الكتاب ) فانتشرت أحكامه ونفذّت تعاليمه وطبقت بنوده وتشريعاته ( وبه قاموا ) وداموا وأخذوا المجد والعزة والقوة ( لا يرون مرجوا فوق ما يرجون ) فهم يرجون اللّه ويرون كل أحد بعده صغيرا ( ولا مخوفا فوق ما يخافون ) فهم يخافون اللّه ويرون الخوف من غيره قليل وحقير وصغير . . . وهذه صفات في منتهى العظمة للأولياء ينبغي علينا أن نجمعها في قلوبنا ونفوسنا وأعمالنا وكل سلوكنا حتى نكون أولياء للهّ . . .
433
- وقال عليه السلام : اذكروا انقطاع اللّذات ، وبقاء التّبعات .
اللغة
1 - التبعات : جمع التبعة ما يلحق الفعل من خير أو شر .