الغي والعدوان من لهج به ) الإمام معلم الأجيال ومربيها في أصعب الظروف وأشدها لا يغفل أن يوجه أصحابه إلى أفضل ما عند اللّه والأقرب إليه وهذه كلماته بعطرها وشذاها تفوح عندما يسمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين والحرب قائمة والدماء سائلة في تلك الأوقات الصعبة يسمع الإمام من يسبّ أهل الشام فيقوم بتوجيه أصحابه لأفضل من ذلك قائلا : « إني أكره لكم أن تكونوا سبابين » لأن السب لا ينفع الإنسان ولكنه يخلق العداوة من جهة ويطمس الحق من جهة أخرى . . . ثم لما نهاهم عن السب فتح لهم بابا أفضل وأحسن وأنفع وأجدى فقال : ولكن لو وصفتم أعمالهم العدوانية وظلمهم وخروجهم على صاحب الحق . . . لو بينتم للناس تجاوزهم واعتدائهم وبغيهم ومقدار جنايتهم على الإسلام وعلى المسلمين من حيث فرقوا الكلمة ومزقوا الجماعة وزلزلوا وحدة المجتمع والأمة وذكرتم حالهم التي خرجوا عليها وما جنوا في طريقهم ومدى اعتدائهم على الناس كان أصوب في القول لأنه يشرح حالهم ويضعهم أمام الناس عراة على حقيقتهم التي هم عليها ولا يكون في ذلك ظلم أو جور لأنكم تشرحون ما وقع وتبيّنون ما صدر ، وكان أبلغ في العذر لأنكم تبلّغون من في صفوفهم وجه الحرب وأسبابها ودواعيها التي من أجلها ثارت ودارت وتعتذرون بذلك لبعض من يجهل وجه الحرب من الناس الآخرين وقد قال بعضهم : إن هذا من الأسلوب الدعائي ضد العدو وهو من أحدث الأسلحة وأشدها فتكا لأنه يشكل حربا إعلامية تكون لصالح من يقوم بها .
ثم بعد أن أمرهم بوصف حالهم وذكر أفعالهم أرشدهم بقلبه الأبوي الكبير الذي وسع العالم كله بما فيهم أعداءه ومحاربوه قائلا لأصحابه : « وقلتم مكان سبكم إياهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم » أي قلب رحيم هذا القلب الذي يشف بهذه الكلمات ذوات المعنى الرحيم . . . أي قلب في العالم يحمل الرحمة التي يحملها قلب الإمام . . . اللهم احقن دماءنا ودماءهم فليس الإمام سفاك دماء يريد أن يهدرها ليحقق مصالحه ومن أجل رغباته وشهواته . . . دعاء لحقن الدماء . . . لحفظها وصيانتها وعدم هدرها . . . حتى دماء أعدائه يبخل بها الإمام ويحافظ عليها وينشد بكل السبل منع إراقتها . . . « اللهم احقن دماءنا ودماءهم » نشيد ردده الإمام وعلمه أصحابه وعمل من أجله بكل السبل . . . إنني أقرأ عليا من أوسع أبواب الرحمة بل لا أجد بابا للرحمة أوسع من باب الإمام ومحرابه ، لقد عشقته حتى الصميم ودخل حبه في قلبي عندما كانت أمي ترغّبني في كل أمر طيب بأن عليا كان يحبه ويعمله وازداد هذا الحب وتعمق وتركز وقام على أسس
شرح نهج البلاغة — صفحة 450
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٥٠