( وكيف عشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها وتتصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها وردعها بتلالؤ ضيائها عن المضي في سبحات إشراقها واكنّها في مكامنها عن الذهاب في بلج إئتلاقها ) استفهم عليه السلام متعجبا من هذا المخلوق الذي جرت أموره على خلاف مقتضى القاعدة العامة التي عليها المخلوقات إنه مخلوق تجعل الشمس عيونه كليلة عاجزة تمنعه عن التحرك في طرف فوائده وما ينفعه . . . ففي ضوء الشمس تتعطل قواه ويمتنع عن الحركة ويلزم أماكنه المستقر فيها .
( فهي مسدلة الجفون بالنهار على حداقها وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس ارزاقها فلا يرد ابصارها اسداف ظلمته ولا تمتنع من المضي فيه لغسق دجنته ) من عظمة خلق اللّه أن هذا الخفاش في النهار نائم قد أطبق جفنيه واستسلم للراحة عاجزا عن الحركة أما الليل فهو ابنه وفارس ميدانه لا يجاريه فيه أحد ولا يفارق فيه مخلوق ، إن الظلمة هي سراجه يسرح فيها ملتمسا رزقه لا تقف ظلمة الليل حاجزا عن الرؤية ولا تمنعه عن الحركة والتنقل ، وأين هذا من سائر مخلوقات اللّه فإن العتمة تحجزها وتمنع بصرها عن الرؤية وتقعدها عن طلب معاشها . . . ( فإذا القت الشمس قناعها وبدت أوضاح نهارها ودخل من اشراق نورها على الضباب في وجارها أطبقت الأجفان على مآقيها وتبلغت بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا والنهار سكنا وقرارا ) يذكر خصائص هذا المخلوق في النهار - بعد أن ذكر خصائصه بالليل - بمجرد أن تخرج الشمس إلى الوجود وتنير معالم الحياة وتدخل أوكار الضباب كناية عن وصولها إلى كل مكان ترى الخفاش قد أطبق اجفانه وأغمض عينه وامتنع عن الرؤية لقد حجبت الشمس بنورها نور عينه ومنعته من الرؤية واكتفى بما اكتسبه في الظلمة معاشا يتقوت به ويعيش عليه ثم ذكر اللّه مسبحا له على هذه العظمة وهذه القدرة الإلهية الحكمية التي جعلت الليل للخفاش نهارا مبصرا ومورد معاش يعمل فيه لاكتساب قوته وجعل النهار سكنا ينام فيه وقرارا يستقر فيه بدون حركة .
( وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الآذان غير ذوات ريش ولا قصب إلا إنك ترى مواضع العروق بينة اعلاما لها جناحان لم يرّقا فينشقا ولم يغلظا فيثقلا ) وهذا أيضا من موارد التعجب وهو افتراقها عن سائر المخلوقات بأنه سبحانه خلق لها أجنحة لحمية تصعد بها عندما تريد الطيران كأنها قطع من الآذان لا تحوى على ريش ولا قصب كما هو الحال في سائر الطيور ومن غرابتها إنك
شرح نهج البلاغة — صفحة 503
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٥٠٣