ذلك . . وكذلك حمده باعتبار أن عظمة اللّه منعت العقول أن تجد طريقا لها إلى بلوغ نهاية ملكوته لأن سلطانه وملكه لا تنهى إليه العقول . . . ( هو اللّه الحق المبين أحق وابّين مما ترى العيون ) بعد أن ذكر الحمد للهّ للأمرين المتقدمين أعاد بذكر اللّه ليقول أنه الحق الثابت الموجود الذي تقر بوجوده العقول بشكل أظهر وأوضح مما ترى العيون لأن العيون قد تخطى ء أما العقول فإن اقرارها باللهّ من شؤونها الفطرية المركوزة في عمق النفس البشرية وهذه من أولى البديهيات التي يؤمن بها هذا الإنسان ولا يخطى ء بما يتوصل من خلالها . . . ( لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثلا ) نفى أن تصل العقول إلى تحديد اللّه وتعريفه لأن ذلك يستدعي الوقوف عند الحدود كما هو حال الموجودات فيكون مشبها بها ومشابها وهذا ليس من صفات الباري جلّ وعلا .
وكذلك لا يمكن للأوهام أن تختلف له صورة تخترعها مما تلتقطه من الأمور فيكون مركبا منها ومما يسرقه الوهم من كل منها واللّه منزه عن ذلك . . . ( خلق الخلق على غير تمثيل ولا مشورة مشير ولا معونة معين فتم خلقه بأمره وأذعن لطاعته فأجاب ولم يدافع وانقاد ولم ينازع ) بكلمة كن كان الوجود ابتداء واختراعا ولم يكن ثمة خلق قبل اللّه حتى خلق هذا الخلق على شكله ومثاله كما أن اللّه لكماله المطلق ليس بحاجة إلى مشير أو معين لأن ذلك من صفات المحتاج واللّه هو الغني المتعال وبهذا تم خلق اللّه بقوله كن ومشيئته التكوينية كان ما أراد وأضحت كل مخلوقاته مقرة بعظمته مستجيبة له مطيعة لأمره إطاعة تكوينية بلسان الحاجة والفقر إلى جوده وعطائه وأجابت كلها لندائه وأمره بدون مدافعة ولا منازعة كما قال تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . . .
( ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء ويبسطها الظلام القابض لكل حي ) بعد أن انتهى من المقدمة دخل في المقصود من الخطبة وهو النظر إلى عجائب خلق اللّه في الخفاش ودقائق ما فيه وسر ذلك وقد تعجب - وهو موضع العجب - من هذا الخفاش الذي ينزوي ويختبى ء من ضوء الشمس ونورها الذي يسرح به كل مخلوقات اللّه وتخرج معلنة عن حركتها وحرية تنقلها وسعيها بينما يخرجها الظلام ويطلق سراحها الليل عكس سائر المخلوقات التي تأوي إلى أماكنها وتستريح من عملها وتنزوي فلا تخرج . . . إنه حيوان على خلاف المعهود من مخلوقات اللّه وكائناته الحية . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 502
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٥٠٢