قوله هذا فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه وقال : ( الباطل أن تقول سمعت والحق أن تقول رأيت ) هذا الكلام منه عليه السلام نهي عن التسرع والعجلة في قبول ما يحكى عن الأخ صاحب العقيدة الصحيحة في الدين والاستقامة في السلوك فلا ينقض هذا اليقين بما نقلته إليه ألسنة بعض الناس إذا ربما أشاع الإعلام المغرض أمرا على هذا الأخ بقصد تشويه سمعته والحط من مكانته وهذا في زماننا ما أكثره فأنت تعرف شخصا تعيش معه . . . تعرفه عن قرب بالتدين والالتزام كما تعرفه بالاستقامة والسلوك الجيد فيأتي المغرضون وأصحاب الأهواء ومن في قلوبهم مرض يريدون تشويه سمعته فينقلون عنه أخبارا لا أصل لها ولا أساس فيروح السامع لها يفكر فيها وفي مقدار صحتها وقد تؤثر في نفسه وإذا تكررت قد توجب التصديق الذي أساسه الكذب والنفاق من هذا الناقل ولذا ينهى الإمام أن يستمع الرجل إلى أقاويل الرجال إذا عرف من أخيه عقيدة صحيحة والتزاما شرعيا مستقيما . . . ثم ضرب لذلك مثلا فقال : قد يرمي الرامي فلا يصيب الغرض وتخطى ء السهام ويحيل الكلام فإن المتكلم قد يرمي هذا الأخ بعيب وهو ليس فيه فيكون كلامه غير مطابق للواقع ولا مصيب كالسهم الذي يرمى فلا يصيب الغرض ويكون الكلام باطلا ولا حقيقة له .
ثم أردف هذا بالتهديد لما ينال من يشوهّ سمعة الناس وأن هذا الباطل من الكلام يفسد ويبطل أمام اللّه واللّه يسمع ويرى ويحاسب على الأمور فيثيب على الحسنة ويعاقب على السيئة . . . ثم بين الميزان الذي يفرق بين الحق والباطل فقال : أما إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع ولما لم يعرف السامع ما المراد بالأربع أصابع استفهم منه فما كان منه عليه السلام إلا أن جمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال : الباطل أن تقول : سمعت والحق أن تقول رأيت وذلك لأن الرؤية مشاهدة فعلية يقل فيها الخطأ بينما السماع قد يكون عن الكاذب والمغرض ومن في قلبه مرض ومن يحب تشويش الحقيقة أو كما يقال وما آفة الأخبار إلا رواتها وهكذا دواليك . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 418
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤١٨