( كأني به قد نعق بالشام وفحص براياته في ضواحي كوفان فعطف عليها عطف الضروس وفرش الأرض بالرءوس قد فغرت فاغرته وثقلت في الأرض وطأته بعيد الجولة عظيم الصولة ) قال شراح النهج وعلى رأسهم ابن أبي الحديد : إنه عليه السلام يقصد بكلامه هذا عبد الملك بن مروان فقد ظهر بالشام ووجه جنده لقتال مصعب بن الزبير وابن الأشعث في العراق وكانت وقائع وأحداث عظيمة سجلها التاريخ وعلى كل حال هذا إخبار منه بظهور هذا الرجل الذي يخرج من الشام ويتحرك حتى يدخل نواحي الكوفة وأطرافها ويتعامل مع تلك الضواحي بالقسوة والشدة ولكثرة قتله وإجرامه يفرش الأرض ويبسطها بالرءوس كناية عن كثرة ما يقتل من الخلق . . . إنه لحنقه وشدته وقساوته وشدة غضبه كالذئب المفترس الذي انتفخت أشداقه من شدة الغضب وأما شدته وقهره فقد ازداد واشتد . . . ثم وصفه بأنه بعيد الجولة أي تطواف خيوله وجيوشه في البلاد لامتدادها وسعتها وأما صولته أي جرأته وإقدامه على أعدائه فهي عظيمة كبيرة . . . ( واللّه ليشردنكم في أطراف الأرض حتى لا يبقى منكم إلا قليل كالكحل في العين فلا تزالون كذلك حتى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها ) لما ذكر صفات ذلك الشخص الذي يخرج في الشام أقسم على وقوع ما سيلحقهم منه وينالهم من حكمه أنه سيفرقهم في أطراف الأرض ويشتت شملهم ويقضي على وجودهم حتى لا يبقى منهم إلا أثر يدل عليهم فحسب ولذا شبههم ببقايا الكحل في العين والكحل لا يبقى إلا أثره يدلّ عليه وكذلك هم لا يبقى منهم إلا قلة قليلة وسيبقون كذلك في تشريد وتغريب وتهجير حتى تعود العرب وترجع إلى عقولها فعندها تفكر في التخلص منه والإطاحة به والراحة من وجوده وهذا يدل على أن من ملك الفكر المستقيم واستعمله استطاع أن يتخلص من مشاكله مهما كانت كبيرة شرط العمل بعد العلم . . . ( فالزموا السنن القائمة والآثار البينة والعهد القريب الذي عليه باقي النبوة . واعلموا أن الشيطان إنما يسني لكم طرقه لتتبعوا عقبه ) أمرهم بأن يقتفوا الطرق الواضحة والآثار الظاهرة وما هو عليه فإنه أقرب ما يكون إلى النبوة . . وآثارها فيه بادية ظاهرة بل هو امتداد لها وأعظم معالمها وأرفع آثارها .
وأخيرا حذرهم الشيطان الذي يسهل لهم المعاصي ويرغبهم فيها ليتبعوا أثره ويسيروا خلفه في التمرد والعصيان . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 411
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤١١