فذكر أن في الفرار غضب اللّه وسخطه لما فيه من توهين للإسلام يقول الإمام الرضا عليه السلام : حرم اللّه الفرار من الزحف لما فيه من الوهن ( 1 ) في الدين والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة وترك نصرتهم على الأعداء . . . إلى أن يقول : وما يكون في ذلك من السبي والقتل وإبطال دين اللّه عز وجل وغيره من الفساد . . . وذكر أيضا أن في الفرار الذل اللازم من حيث غلبة العدو وضعف المسلمين من جهة ومن حيث إن في الفرار معصية ومرتكب الحرام ذليل في نظر الإسلام والمسلمين . . . وأيضا في الفرار العار الباقي في الأعقاب وهذا شر ميراث يتركه الآباء للأبناء . وأخيرا فإن الفار لا يزاد في عمره ولو ساعة واحدة لأن الأعمار بيد اللّه هو الذي قدر لكل واحد عمرا معينا لا يتجاوزه ولا يتقدمه فكم من بطل خاض الحروب سلم وكم من فار من المعركة مات وهو في أوقات شبابه . والفرار لا يمنع حلول الأجل بل كما قال تعالى : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فإَنِهَُّ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . . . ( من الرائح إلى اللّه كالظمآن يرد الماء ) . استفهام على سبيل العرض ومفاده أيكم يذهب إلى اللّه فيكون كالظمآن يرد الماء فيروي غليله ويدرك مطلوبه . . . ( الجنة تحت أطراف العوالي ) . ففي كل طعنة رمح ينفتح باب إلى الجنة يدخل منه المجاهدون ، إن أطراف الرماح مفاتيح الجنة ففي الحديث عن رسول اللّه قال : الخير كله في السيف وتحت ظل السيف ولا يقيم الناس إلا السيف والسيوف مقاليد الجنة والنار ( 2 ) . ( اليوم تبلى الأخبار ) . في المعركة تختبر السرائر ويعرف ما في الضمائر ، يعرف الصادق من المنافق والشجاع من الجبان وصاحب البصيرة من الأعمى وكما يقال : « عند الامتحان يكرم المرء أو يهان » والمعركة هي محل الاختبار . ( واللّه لأنا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم ) . فهؤلاء الأعداء من أهل الشام خرجوا من ديارهم وهم في شوق إليها وإلى العودة إلى أهلهم وأبنائهم وإني إلى لقائهم في ساحات الحرب والقتال أشد شوقا منهم إلى ديارهم وهذا ترغيب في قتالهم وحث
شرح نهج البلاغة — صفحة 347
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٣٤٧
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة كتاب الجهاد باب 29 .
( 2 ) وسائل الشيعة كتاب الجهاد باب 1 حديث 1 .