ثم أعطى كبرى كلية وذكر أظهر مصاديقها فقال : إن أكرم الموت القتل ، فإذا كان لا بد من الموت وهو دائر بين الموت الطبيعي الذي يأتي إلى الإنسان ولا يكون لهذا الإنسان فيه حرية الاختيار وبين القتل في ساحات الجهاد ومن أجل هدف إنساني شريف فإن القتل الذي يختاره الإنسان ويسعى إليه أكرم عند اللّه وأفضل من الموت الطبيعي لأن ذلك يتجسد فيه القرب من اللّه وطلب مرضاته والجهاد في سبيله . . . ثم ذكر صغرى تلك الكبرى ترغيبا لهم وحثا على الجهاد والنزال فأقسم باللهّ وهو الصادق بدون قسم أنه يختار ألف ضربة في سبيل اللّه يقتل بها أهون عليه من ميتة على الفراش في غير طاعة اللّه . . . ألف مرة يموت كل مرة بضربة سيف أهون عليه من الموت على الفراش في غير طاعة اللّه لأن في تلك أجر وثواب وفي هذه وزر وعقاب .
وأما كونها أهون فهذه حالة علوية لا يرتقي إليها إلا بعض أفراد الأمة الذين يخلصون للهّ ويتجردون من كل ما سواه . . . ويعجبني ابن أبي الحديد في قوله : « وليست النفوس كلها من جوهر واحد ولا الطباع والأمزجة كل من نوع واحد ، وهذه خاصية توجد لمن يصطفيه اللّه تعالى من عباده في الأوقات المتطاولة والدهور المتباعدة وما اتصل بنا نحن من بعد الطوفان فإن التواريخ من قبل الطوفان مجهولة عندنا أن أحدا أعطى من الشجاعة والإقدام ما أعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها من الترك والفرس والعرب والروم وغيرهم والمعلوم من حاله أنه كان يؤثر الحرب على السلم والموت على الحياة والموت الذي كان يطلبه ويؤثره هو القتل بالسيف لا الموت على الفراش . . . » .
( وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب لا تأخذون حقا ولا تمنعون ضيما ، قد خليتم والطريق فالنجاة للمقتحم والهلكة للمتلوم ) . وبّخ أصحابه وقرّعهم بهذا الكلام العنيف وربما كان هذا من أخباره بما يجري عليهم فيقول : كأني أنظر إليكم تزدحمون وأنتم هاربون وأصواتكم غمغمة بينكم من الهلع الذي اعتراكم فهي أشبه شيء بأصوات الضباب المجتمعة أو أن المراد بيان حالهم من الازدحام حال الهزيمة ثم أكد جبنهم وفشلهم وما هم فيه من الانهيار أنهم لا يأخذون حقا لهم من أيدي الغاصبين والظالمين ولا يرفعون ظلما حاق بالمؤمنين والمستضعفين وهم منهم وهذا منتهى الهزيمة النفسية والانهيار والتقاعس وما الحياة وما قيمتها إن خلت من أحد هذين الأمرين أخذ حق أو دفع باطل . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 340
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٣٤٠