ثم يستقبل الناس بوجهه فيحمد اللّه مائة مرة رافعا بها صوته والناس يتابعونه في الأذكار دون الالتفات إلى الجهات فإن سقوا وإلا عادوا ثانيا وثالثا وإن أفطروا فبصوم مستأنف . . .
قد يقال : كيف يتم إنزال المطر بالدعاء وهل هذا إلا وهم لا أساس له . . . نقول : إن اللّه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء إذا أراد أمرا قال له : كن فيكون .
فربما جعل نزول المطر متوقفا على الدعاء ويكون الدعاء سببا غير منظور لدى الناس إلا الخاصة منهم . . . والأمور بيد اللّه فكما ينزله في الشتاء ينزله في الصيف . . . التجربة : ويروي التاريخ والأحاديث كما أن سيرة المسلمين قائمة على هذه الصلاة وأنهم قد استسقوا بالنبي واستسقى المسلمون بعد وفاته بأهل بيته . . . ( اللهم قد انصاحت جبالنا واغبرت أرضنا ) . هذه حالات من البؤس والشقاء والضيق والعناء يمر بها المسلمون والإمام يضعها بين يدي اللّه وهو عالم بها ولكن شكوى إليه يرفعها المحتاجون وشرح حال لمن يعلم بالحال زيادة في التذلل والخضوع . . . لقد جفت رؤوس جبالنا وتشققت من قلة الماء ويبس نبتها وأما الأرض فللجدب الذي نالها قد اغبرت كثر غبارها أو أصبحت غبراء لعدم النبات فيها . . . ( وهامت دوابنا وتحيرت في مرابضها وعجت عجيج الثكالى على أولادها وملت التردد في مراتعها والحنين إلى مواردها ) . فالأرض تحكي جدبها وتشتكي وهذه البهائم بحركتها أيضا تحكي وتشتكي وما أجمل أن يتوسل الإنسان بهذه الحيوانات ويضمها إلى قائمة المتوسلين بهم فإنها خرساء لا تملك الاحتجاج على الإنسان وتمرده على اللّه وعصيانه له . . . إنها حالة الدواب التي تحيرت من العطش فراحت على وجوهها تحكي عطشها ومن حركاتها فإنها ضجت وارتفعت أصواتها تستغيث وتطلب الغيث كالثكلى وهي الأم المفجوعة بولدها يعلو صوتها فكذلك تصرخ هذه الدواب في عطش وألم تستنجد باللهّ أن ينزل عليها المطر .
إنها ملت التردد إلى أماكنها التي كان فيها الكلأ لأنها أماكن قاحلة فقد قصدتها فلم تجد فيها عرقا أخضرا يؤكل وكذلك أماكن شربها التي كانت ترتوي منها قد ملتها أيضا لأنها جفّت .
شرح نهج البلاغة — صفحة 303
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٣٠٣