جراحه . يرمي الحيّ بالموت ، والصّحيح بالسّقم ، والنّاجي بالعطب . آكل لا يشبع ، وشارب لا ينقع . ومن العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ، ثمّ يخرج إلى اللّه تعالى لا مالا حمل ، ولا بناء نقل ومن غيرها أنّك ترى المرحوم مغبوطا ، والمغبوط مرحوما ، ليس ذلك إلّا نعيما زلّ ، وبؤسا نزل . ومن عبرها أنّ المرء يشرف على أمله فيقتطعه حضور أجله . فلا أمل يدرك ، ولا مؤمّل يترك . فسبحان اللّه ما أعزّ سرورها وأظمأ ريّها وأضحى فيئها لا جاء يردّ ، ولا ماض يرتدّ .
فسبحان اللّه ، ما أقرب الحيّ من الميّت للحاقه به ، وأبعد الميّت من الحيّ لانقطاعه عنه .
إنهّ ليس شيء بشرّ من الشّرّ إلّا عقابه ، وليس شيء بخير من الخير إلّا ثوابه . وكلّ شيء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه . فليكفكم من العيان السّماع ، ومن الغيب الخبر .
واعلموا أنّ ما نقص من الدّنيا وزاد في الآخرة خير ممّا نقص من الآخرة وزاد في الدّنيا : فكم من منقوص رابح ومزيد خاسر إنّ الّذي أمرتم به أوسع من الّذي نهيتم عنه . وما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم . فذروا ما قلّ لما كثر ، وما ضاق لما اتّسع . قد تكفّل لكم بالرّزق وأمرتم بالعمل ، فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله ، مع أنهّ واللّه لقد اعترض الشّكّ ، ودخل اليقين ، حتّى كأنّ الّذي ضمن لكم قد فرض عليكم ، وكأنّ الّذي قد فرض عليكم قد وضع عنكم . فبادروا العمل ، وخافوا بغتة الأجل ، فإنهّ لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرّزق . ما فات اليوم من الرّزق رجي غدا زيادته ، وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم
شرح نهج البلاغة — صفحة 289
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٨٩