تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
والمتمردين من العذاب الأليم والجحيم . . . ( خير البرية طفلا وأنجبها كهلا ) . كان رسول اللّه خير الخلق في طفولته لاجتماع الصفات الطيبة فيه فقد كانت كل أعماله صالحة وأخلاقه مرضية يسير بالحق ويعمل بالصدق ويكره الباطل ، ولخصاله وطيب عنصره كان محط عناية أهله . . . وأما نجابته في كهولته فقد ظهرت في مواقفه قبل النبوة في صدق الحديث وأداء الأمانة وحمل الكلّ وإقراء الضيف وحل المعضلات حتى غلب عليه اسم الأمين وهل تجتمع هذه الخلال في رجل إلا وبلغ سدرة المنتهى في النجابة . . . ( وأطهر المطهرين شيمة وأمطر المستمطرين ديمة ) . طينته أطهر الطهر جبلت على عين اللّه وبيده فجاء رسولا نبيا معلما للأخلاق والآداب فهو صاحب الأخلاق الكريمة خاطبه ربه بقوله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقال هو عن نفسه : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » . وأما جوده وعطاياه للطالبين فهو الذي علم الناس الكرم فيده كالسحاب وعطاياه لا يقف عندها عدّ ولا حساب ، كان ينفق ولا يخاف الفقر ، وكانت بيده أموال الجزيرة العربية كلها ومغانم الحروب من العدو فكان يوزعها على المحتاجين والمجاهدين ولا يتناول منها شيئا . . . ( فما احلولت لكم الدنيا في لذتها ولا تمكنتم من رضاع أخلافها إلا من بعد ما صادفتموها جائلا خطامها قلقا وضينها ) . وجهّ خطابه إلى الصحابة والمسلمين وقيل إلى بني أمية بقرينة السياق قائلا : إن الدنيا لم تقبل عليكم وتعطيكم خيراتها ولا استطعتم أن تتذوقوا حلاوتها ونعيمها في زمن رسول اللّه كرامة له واعزازا لجانبه وإنما كان كل ذلك عندما فتحت أبوابها لكم وأنزلت خيراتها في ساحتكم ولكنها لم تكن على موازين القسط والعدل فكان فيها الخلل والزلل والاضطراب بحيث أضلت قوما وأعمت آخرين وذلك نتيجة من تولى الأمر بعده من حيث إنهم لم يراعوا الأمور على أصولها ولم يحكموا بالعدل والحق فكان هذا الانحراف والزيغ . . . وقال بعضهم ما مضمونه : إن النبي هو الذي طوع الدنيا لكم وجعلها تحت أقدامكم وبعده لم تجد من يحل محله ليضبطها ويسدد رعيتها فكان مثله مثل راكب الناقة التي لا يملك زمامها ليضبطها ومع ذلك لا يثبت رحلها من تحته فهو مهدد بالسقوط في كل وقت . . .