( قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود وحلالها بعيدا غير موجود ) .
وهذا بيان لحال نفسية بعض الناس وسلوكهم وأن الدنيا عندهم أصبحت سهلة لا صعوبة فيها باعتبار أنهم أسقطوا من حسابهم قانون الحرام والممنوع فأضحت كل الطرق لهم سالكة وآمنة ولم يعد لهم من طرق الحلال بابا يطرقونه أو يدخلون منه لأن الأبواب المشروعة للحلال قد انسدت ولا مجال لكسب العيش إلا من الحرام . . . ( وصادفتموها واللّه ظلا ممدودا إلى أجل معدود ) . قد أتتكم الدنيا بخيراتها وعطاياها فاحذروا هذا العطاء فإنما هو إلى وقت محدود ينقضي عنده وينتهي إليه فلا تبطركم النعمة فتنسوا اللّه ، وهذا تحذير لهم أن لا يغتروا بالدنيا ونعيمها لأنها إلى انتهاء . . . ( فالأرض لكم شاغرة وأيديكم فيها مبسوطة وأيدي القادة عنكم مكفوفة وسيوفكم عليهم مسلطة وسيوفهم عنكم مقبوضة ) . الأرض كلها لكم وليس من ينازعكم عليها وأيديكم عليها تتصرفون فيها كيف تشاءون وأيدي مستحقي الرئاسة مكفوفة عنكم لعدم قدرتهم عليكم لعدم الناصر والمعين وسيوفكم عليهم مسلطة تقتلون من شئتم بينما سيوفهم عنكم ممنوعة لا تطالكم ولا تنالكم .
وقال ابن أبي الحديد في شرحه : وكأنه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين عليه السلام وأهله وكأنه يشاهد ذلك عيانا ويخطب عليه ويتكلم على الخاطر الذي سنح له والأمر الذي كان أخبر به .
( إلا وإن لكل دم ثائرا ولكل حق طالبا وأن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه وهو اللّه الذي لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب ) . كل دم طاهر زكي سفك بغير حق كان له طالب يأخذ بثأر صاحبه وكل حق لإنسان أخذ منه بغير حق كان وراءه طالب يطالب به ومن طلب حقه أخذه .
وقدم هذه المقدمة ليتوصل منها إلى إثبات حقهم وأن دماءهم سوف يثأر لها والذي يتولى ذلك هو الحاكم وهو الخصم وسوف يحكم لنا وهو اللّه الذي لا يعجزه مطلوب ولا يفلت منه هارب فالحاكم الآخذ بحقنا هو الخصيم لكم وهو اللّه وهذا تحذير منه لبني أمية من عذاب اللّه وعقابه وما ينالهم من جراء فعلتهم الشنيعة . . . ( فأقسم باللهّ يا بني أمية عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم وفي دار عدوكم ) . بعد أن هددهم بانتقام اللّه منهم أقسم باللهّ أن دولة بني أمية ستزول عن قريب وستتحول عنهم إلى أعدائهم من بني العباس وستصبح ملكا في أيديهم وقد كان هذا الإخبار من جملة
شرح نهج البلاغة — صفحة 192
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٩٢