إذا كان الأمر كذلك مرّ على الناس فتنة قاسية شرحها الإمام بقوله . . . ( عضت الفتنة أبناءها بأنيابها وماجت الحرب بأمواجها ) . بيان لما يصيب الأمة عندما يشتد جور هذا الضليل وتقوى شكيمته وتشتد في الأرض وطأته ، إنها تأخذ هذه الفتنة الأبناء وتذيقهم مرارتها وألمها فقد شبهها بدابة لها أنياب قد غرزتها في هذه الأمة فكم يكون الألم وكم تكون المرارة .
وعندها تموج الحرب بأمواجها أي تكثر وتشتد وتتحول في كل مكان وتشمل كل إنسان فيكثر القتل والتشريد والعذاب . . . ( وبدا من الأيام كلوحها ) . عندها تظهر الأيام السوداء على الناس لما تحمله معها من مآسي وآلام .
( ومن الليالي كدوحها ) . تظهر آثار تلك الليالي السوداء في جسد الأمة حيث يكون العذاب والمرارة والألم بحيث لا تمحى ولا يعفى أثرها . . . ( فإذا أينع زرعه وقام على ينعه ) . أراد بهذا الكلام أنه إذا هدأت له الحال فتملك واستقر وأراد أن يستفيد من ذلك الاستقرار .
( وهدرت شقاشقه وبرقت بوارقه ) . ظهرت قبائحه وبان طغيانه بما يصدر منه من تهديد ووعيد وظهرت سطوته وقوته .
( عقدت رايات الفتن المعضلة ) . عندئذ تقع الفتن الكثيرة التي يصعب حلها ويستعصي علاجها .
( وأقبلن كالليل المظلم والبحر الملتطم ) . فهذه الفتن لشدتها وقساوتها شبهها بالليل المظلم الذي لا يرى فيه الإنسان مواقع أقدامه ولا يهتدي فيها إلى الحق كما أن الناس فيها يضرب بعضهم وجوه بعض ويقضي بعضهم على بعض كالبحر تتلاطم أمواجه ويضرب بعضها بعضا . . . ( هذا وكم يخرق الكوفة من قاصف ويمر عليها من عاصف ) . وهذا إخبار عما سيجري على الكوفة من البلاء والمحن ، إنها كثيرة تقضي على الشرفاء والأخيار بل تعم الناس جميعا . . . سيمر عليها الجبار العنيد والشيطان المريد الذي يأتي على الناس فيقضي عليهم وقد وقع ذلك في زمن ابن زياد والحجاج والأمويين حيث كانوا يعرفون موقع الكوفة من الأحداث ويعرفون من بها من رجالات العرب وأنصار أهل البيت ولذا أذاقوها المرارات وجرعوها الغصص ومارسوا عليها أبشع صور الإذلال والقهر . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 170
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٧٠