الخلف ، ويجري على الحاضرين ما كان يجري على الماضين . . . ( ألا فاذكروا هاذم اللذات ) . نبههم إلى ذكر هذه الحقيقة التي لا بد وأن نصل إليها ولا بد وأن تدركنا ومع ذلك لا نتعامل معها كحقيقة لا بد من الوقوف عليها . . . ينبهنا إلى ذكر الموت فما ذكره إنسان إلا ورجع إلى نفسه وعاد إلى حقيقته يستنطقها ويستفسر منها عن هذا اللغز الرهيب الذي لم يقدر هذا الإنسان على حله وإنما اللّه تولى حله فعاش المؤمنون في رحاب تعاليمه حياة أبدية وكان الموت بالنسبة إليهم كثوب وسخ خلعوه واستبدلوه بثوب نظيف ، فهم مطمئنون إلى حكم اللّه وقضائه يتنعمون بما أحله لهم ويبتعدون عما حرم عليهم وبذلك هان الموت عليهم بل كان القنطرة التي يقطعونها ليدخلوا إلى الجنة ونعيمها . . . وعلى كل حال يريد الإمام أن يذكرنا بالموت الذي يقطع لذات الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح وطيبات .
يذكرنا أن هذه الأمور إذا كانت من حرام لن تدوم لنا وإذا كانت أنفسنا تطمعنا بدوامها فلا دوام لها سيقضي عليها الموت وسيأتي عليها فلا تبقى .
( ومنغص الشهوات ) . هذه صفة ثانية للموت إنه يكدّر على المرء رغباته ففي ليلة زفافه قد يأتي أجله وفي ليلة فرحه قد يأتي ترحه . . . ( وقاطع الأمنيات ) . فما يتمناه الإنسان ويطمح إليه ويرغب فيه ويسعى إلى تحقيقه يقطعه الموت ويوقفه وهذه الصفة للموت لنتذكر أن أمنياتنا يجب أن تكون في طاعة اللّه وفي خدمة عباده .
( عند المساورة للأعمال القبيحة واستعينوا اللّه على أداء واجب حقه وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه ) . يقول الإمام اذكروا هادم اللذات ومنغّص الشهوات وقاطع الأمنيات عندما تريدون أن تعملوا الأعمال القبيحة التي لا يحبها اللّه ، فإنكم إذا تذكرتم الموت ارتدعتم عن فعل القبيح ولم تقدموا على عمل يكرهه اللّه ولا يحبه وإن المؤمن باستمرار لا يغفل عن ذكر الموت وخصوصا في المواقف التي يكون فيها معصية للهّ فإنه يتوقف عن ارتكابها عندما يتذكر الموت وما بعده من الحساب والعقاب . . . ثم يأمرنا عليه السلام أن نستعين باللهّ على القيام بحقه وما أوجبه علينا فإن من أدى حق اللّه فقد أدرك أقصى الغايات .
كما أن علينا أن نقوم بشكر نعم اللّه التي لا تعد وإحسانه الذي لا يحد . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 160
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٦٠