تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
( أولم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون وإلى الخلف الباقين لا يبقون ) . انظروا واعتبروا بحال من مات من الأولين كيف أنهم لا يرجعون إلى الدنيا حتى يصلحوا أعمالهم ويتداركوا ما فات منهم كما أن من تخلفوا بعدهم ممن هم يعيشون معنا - ونحن معهم - كيف إننا جميعا خلفاؤهم ولا نبقى على هذه الأرض وفي هذه الدنيا بل سيطوينا الموت ونغيب عن هذا الوجود . . . ( أولستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى ) . نبه عليه السلام بأحوال الدنيا المختلفة إلى عدم بقائها ودوامها وإن على الإنسان أن يعتبر بها ولا يغتر بنعيمها فإن الناس لا يمر عليهم ليل أو نهار إلا وهم في أحوال مختلفة وذكر بعض هذه الحالات . . . ( فميت يبكى وآخر يعزّى ) . هذا هو حال الدنيا فهنا جنازة قد قامت النوادب عليها تحكي صفاتها وتبكي شبابها وإنني وأنا أكتب هذه الكلمات أسمع قراءة القرآن على فقيد حبيب فقده أهله وغاب شخصه عن أعينهم وفي المقابل يقف أهل الفقيد يتقبلون العزاء ، يسليهم الناس بكلمات العزاء ويصبّرونهم على عادة أهل الدنيا وكما أمر الشرع بذلك . . . ( وصريع مبتلى وعائد يعود ) . وهذه من جملة أحوال الدنيا فهناك طريح على الفراش مصاب بمرض أقعده عن الحركة ومنعه من الضرب في الأرض قد امتحنه اللّه بهذا البلاء وفي مقابله يوجد زواره وقصاّده الذين ينظرون إلى ثواب اللّه وما أعده من زيارة للمريض كما أنهم يدخلون عليه السرور بزيارتهم ويسلونه عما به من هموم وأسقام . . . ( وآخر بنفسه يجود ) . وهذا أيضا من حالات الدنيا التي تمر على بعض الناس . . . إنه يصارع الموت ويريد أن يفارق الحياة . . . إنه رجل يعالج سكرات الموت وينتظر خروج روحه ليرحل من الدنيا إلى اللّه . ( وطالب للدنيا والموت يطلبه ) . فهذا يسعى في طلب الدنيا ويجدّ ويتعب من أجلها وبينما هو طالب إذ بالموت يطلبه حيث تجري الأيام ويمضي العمر ويتقدم الموت نحوه في كل لحظة . . . فهو طالب للدنيا والموت يطلبه ولن يدرك الدنيا وسيدركه الموت فيقطع أمنيته وما كان يطلب من الدنيا . ( وغافل وليس بمغفول عنه ) . فهذا الإنسان غافل عما خلقه اللّه من أجله وطلبه منه بينما هو ليس مغفول عنه من حيث إن اللّه ناظر إليه وإلى أعماله . . . ( وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي ) . سنة جارية فعلى طريقة السلف يمشي