( فاسألوني قبل أن تفقدوني ) . وهذه مقولة اختص بها الإمام وأضحت عنوانا ترمز إليه وتدل عليه طلب أن يسألوه عن كل شيء قبل استشهاده وخروجه من بين أظهرهم ولكن أولئك القوم على ما يبدو كانوا أغبياء سخفاء لم يسألوا عن شيء ينفعهم ويفيدهم وجلّ مسائلهم كانت امتحانا أو تعنتا ، وهذا العلم من علم رسول اللّه الذي علمه إياه ومن فضل اللّه عليه وما اختصه اللّه به حيث أفاض عليه من علمه . . . ( فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من أهلها قتلا ومن يموت منهم موتا ) . أقسم باللهّ الذي يملك نفسه وهو سبحانه يملك نفوس الناس جميعا إنهم لا يسألونه عن شيء مدة حياتهم وإلى البعث والنشور ولا عن طائفة قليلة تهدي أمة أو تضلها إلا كان عنده علمها بتفاصيلها وحدودها من صغير الأمور فيها إلى كبيرها من مطلق صوتها ومعلن نفيرها إلى قائدها الذي يحمل راية ضلالها ويأتي بها . . إلى سائقها الذي يدفعها إلى الضلال والانحراف ، يعلم علية السلام أين تضع اثقالها وتنزل بخيلها ورجلها كما يعلم من يموت فيها قتلا ومن يبقى حتى يموت موتا بدون قتل ، إنه عليه السلام يعلم بخصوصيات الأمور وجزئياتها . . . قال ابن أبي الحديد في شرحه « وكم له ( 1 ) من الأخبار بالغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاؤه لكسرنا له كراريس كثيرة وكتب السير تشتمل عليها مشروحة » . أقول : ومن اخباره بالأمور الغيبية وما يجري من الفتن وما يمر على بعض الناس ويحدث لهم مما لا تتحمله العقول ولا تقوم له القلوب من ذلك كان الغلو فيه ورفع منزلته إلى ما لا يجوز . . . ( ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور وحوازب الخطوب لأطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين ) . ولو خلي مكاني من بينكم ورحلت عنكم إلى الآخرة ونزلت بكم الأمور التي تكرهها أنفسكم ولا تصبر عليها والشدائد الصعبة من المصائب والبلايا عندها يبهت السائل ويسقط ما في يديه ويطرق إلى الأرض مفكرا يمتنع عليه السؤال أما المسؤول فإنه يفشل أمام السؤال ولا يستطيع أن يرد الجواب لعدم معرفته بالأحداث وكيف تجري وما هو حلها . . . ( وذلك إذا قلّصت حربكم وشمّرت عن ساق وضاقت الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون
شرح نهج البلاغة — صفحة 124
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٢٤
هامش
( 1 ) ابن أبي الحديد ج 7 ص 50 .