ويهدي إلى الاستقامة فإن الأمويين قد كموا الأفواه واغمضوا العيون وقتلوا الأحرار وغيّروا مناهج الحق والعدل فلا مرشد ولا هادي يرشد إلى الحق أو يرد إلى الصواب .
( نحن أهل البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة ) . ذكر أهل البيت وإنهم لا يصيبهم من آثامها وجرائرها السيئة إثم أو سيئة وليس المراد أنها لا تصيبهم ببلائها ومصائبها لأن أهل البيت أصابهم أشد ما أصاب الأمة حيث أصيب الحسين وأهله ونفى عليه السلام أن يدعو أهل البيت إلى هذه الفتنة أو مثلها . . . ( ثم يفرجها اللّه عنكم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا ويسوقهم عنفا ويسقيهم بكأس مصبرة لا يعطيهم إلا السيف ولا يحلسهم إلا الخوف ) . بعد أن أخبر الناس بما يجري عليهم من البلاء جراء فتنة بني أمية وما يصيبهم من شرها وضررها زف إليهم البشرى بزوال دولتهم وإنها لن تكون لمدة طويلة بل ستزول وتنكشف عنكم كما ينكشف الجلد عما تحته وعندها تعود الكرة عليهم ويبتليهم اللّه بأيدي قوم يولوهم الذل والهوان ولا يدعوهم في راحة واطمئنان بل الإزعاج يلاحقهم حتى يسقون بكأس مملؤة صبرا كناية عن شدتها وألمها وما سيصيبهم من العذاب والآلام لا يسقيهم إلا السيف ينال منهم ويشفي قلوب المظلومين ويجعلهم حلفاء الخوف أينما توجهوا وكيف ساروا لا يفارقهم بحال . . . ( فعند ذلك تود قريش - بالدنيا وما فيها - لو يرونني مقاما واحدا ولو قدر جزر جزور لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونيه ) . بعد أن أخبر بما يلحق بني أمية من الهوان والذل وما يصيبهم من العذاب والهوان قال : يومها يتمنى بنو أمية بالدنيا وما فيها لو يرونني خليفة ولو في مقام واحد ولحظة واحدة ولو بمقدار ما ينحر الإبل كناية عن قصر المدة ، يتمنون ذلك ليعطوا في ما أطلب منهم اليوم جزءا منه فيمتنعوا عن اعطائه وقد كان الإمام يطلب من الأمويين أن يكفوا عنه ويسكنوا ولا يحركوا الفتن ويزرعوا الاضطرابات وهو جزء من حقه وطاعته فلم يقبلوا منه ولم يسمعوا له أما عندما يحاصرون ويطاردون فيستمنون وجوده ولو لحظة قصيرة ليعطوه كل ما أراد ولكن تبت أيديهم وخسرت صفقتهم فقد طاردهم بنو العباس ( وأذاقوهم العذاب المرير حتى قال مروان بن محمد آخر ملوكهم يوم الأحزاب لما شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بإزائه في صف خرسان : « لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى » لما يرى من عدل الإمام وعفوه وصفحه وكرمه . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 127
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٢٧