تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الناس فيه وإنه لم ينج من ألسنتهم لأنه إذا طالب بحقه في الخلافة يقولون : إن عليا يحب الدنيا ويحب الملك وهو حريص على الرياسة والمكانة العالية . وإن يكّف عن المطالبة ويسكت عن حقه يقولون أنه يخاف الموت ويخاف أن يقضي عليه أخصامه ومن بأيديهم الأمور . ولكنه عليه السلام رد على الفريقين بأنهما قد بعدا عن الحق وأخذهما الباطل إلى غير الصواب . . فليس قوله إن قال طلبا للملك وحب الرياسة بل لإحقاق الحق وإزهاق الباطل كما إنه لو سكت وكف لم يكن ذلك خوف الموت والشهادة فإن القاصي والداني والقريب والبعيد يعرف جهاد علي ومواقفه الكريمة في جميع غزوات النبي ويعرف الجميع إن قلب علي لا يعرف الخوف من أحد إلا من اللّه . . لقد خاض الأهوال وقام بشدائد الأمور وعظائمها وكان مفتاح الفتح في كل موقعة ومعركة . وأكد كذب دعواهم أنه لا يخاف الموت . بأنه آنس به من الطفل بثدي أمه فكما أن الطفل لا يرى في الوجود إلا ثدي أمه ولا يحب شيئا غيره وإذا وصل إليه هش وبش وكان ذلك غاية أمنيته كذلك كانت حالة الإمام مع الموت بل أشد أنسا وهذا ما يفسر لنا قوله عندما ضربه ابن ملجم « فزت ورب الكعبة » لأن بالموت تحصل السعادة ويدرك الأمنية الغالية التي ينتظرها . .

ملاحظة :

« بعد اللتيا والتي » ، قال الميداني في مجمع أمثاله : « بعد اللتيا والتي هما الداهية الكبيرة والصغيرة وكنى عن الكبيرة بلفظ التصغير تشبيها بالحية فإنها إذا كثر سمها صغرت لأن السم يأكل جسدها . وقيل : الأصل فيه إن رجلا من جديس تزوج امرأة قصيرة فقاسى منها الشدائد وكان يعبّر عنها بالتصغير فتزوج امرأة طويلة فقاسى منها ضعف ما قاسى من الصغيرة فطلقها وقال : بعد اللتيا والتي لا أتزوج أبدا فجرى ذلك على الداهية . وقيل : إن العرب تصغّر الشيء العظيم كالدهيم واللهيم وذلك منهم رمز . . ( بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة ) وفي ختام هذه الخطبة يبيّن أن سكوته عن المطالبة بحقه إنما هو لأجل ما عنده من العلم الذي تلقاه من النبي من كون الخلافة سيتولاها الغاصبون ثم تنزو عليها صبية