الشرح
( أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة ) تمت البيعة لأبي بكر في ظروف غاب عنها بنو هاشم حيث كانوا يقومون بتجهيز رسول اللّه ووصلت أنباء البيعة إليهم فرأوا مظلوميتهم وسلب حقهم وجاء إليهم أبو سفيان وهو يقول مثيرا للفتنة : إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ، يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم ، أين المستضعفان علي والعباس . ما بال هذا الأمر في أقل حي ( 1 ) من قريش . ثم قال لعلي : أبسط يدك أبايعك فو اللّه لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا فأبى علي عليه السلام فتمثّل عندها بشعر المتلمّس :
ولن يقيم على خسف يراد به * إلا الاذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف معكوس برمته * وذا يشج فلا يبكي له أحد
فزجره علي وقال : واللّه إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة وإنك واللّه طالما بغيت للإسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك ثم إن الإمام وجهّ كلامه إلى الناس ليئد الفتنة ويقضي على النزاع ويحفظ الإسلام والمسلمين من خلال الوحدة المطلوبة وخصوصا في تلك الظروف الصعبة التي أحدق الكفر فيها على الإسلام من كل جانب .
وقد شبه الفتنة بالبحر المتلاطم الهائج الذي تتدافع فيه الأمواج فتقضي على من أراد أن يستمر في الإبحار منفردا ضعيفا لم يستعد لخوضه ولم يتأهب لمواجهة تياره وإنه عليه السلام قد أمرنا أن نشق هذه الفتن ونقضي عليها ولا نترك مجالا أو فرصة لمن أراد أن يفسد الود وذلك بأن يعتصم المسلمون بالوحدة وأمر اللّه فكما إن السفن هي التي تجتاز الأمواج العاتية كذلك الالتزام بأمر اللّه والتزام الوحدة بهما تكون النجاة ويكون الفوز والخلاص . . . وإذا كانت الفتنة ممنوعة ومرفوضة فكذلك أسبابها مرفوضة ومن جملة تلك الأسباب المنافرة التي هي العداء وعدم المسالمة والهدوء وكذلك المفاخرة الموجبة لرؤية الحال المستدعية للتقدم على الغير والاستطالة عليه وبالتالي الموجبة للعداء
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج - 2 ص 225 .