تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تمام نهج البلاغة — صفحة 931

مساهمون:

ص٩٣١

فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احتْمَلَوُهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ . فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حمَلَّتْهَُ ، وَإِنَّمَا يُؤْتى خَرَابُ الأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا . وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ . فَمَا الْوَالي إِلّا عَلى إِحْدى مَنْزِلَتَيْنِ : إِمّا أَنْ يَبْقى إِلى قَابِلٍ ، فَهُوَ إِلى مَا عَمِلَ بِهِ مِنْ إِصْلَاحٍ وَإِحْسَانٍ إِلى رعَيِتَّهِِ أَحْوَجُ ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ أَحْسَنُ وَالدُّعَاءُ أَكْثَرُ ، وَالثَّوَابُ لَهُ عِنْدَ اللّهِ أَفْضَلُ . وَإِنْ جَمَعَ لغِيَرْهِِ فِي الْخَزَائِنِ مَا أَخْرَبَ بِهِ الْبِلَادَ ، وَأَهْلَكَ بِهِ الرَّعِيَّةَ ، صَارَ مُرْتَهَناً لغِيَرْهِِ ، وَالِاثْمُ فيهِ عَلَيْهِ . وَلَيْسَ يَبْقى مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ إِلّا ذِكْرُهُمْ ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبيحَةً ، وَأَمَّا الأَمْوَالُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْتى عَلَيْهَا ، فَيَكُونُ نَفْعُهَا لغِيَرْهِِ ، أَوْ لِنَائِبَةٍ مِنْ نَوَائِبِ الدَّهْرِ تَأْتي عَلَيْهَا فَتَكُونَ حَسْرَةً عَلى أَهْلِهَا . وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْرِفَ عَوَاقِبَ الِاحْسَانِ وَالِاسَاءَةِ ، وَضَيَاعَ الْعُقُولِ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَانْظُرْ في أُمُورِ مَنْ مَضى مِنْ صَالِحِي الْوُلَاةِ وَشِرَارِهِمْ ، فَهَلْ تَجِدُ مِنْهُمْ أَحَداً مِمَّنْ حَسُنَتْ فِي النّاسِ سيرتَهُُ ، وَخَفَّتْ عَلَيْهِمْ مؤَوُنتَهُُ ، وَسَخَتْ بِإِعْطَاءِ الْحَقِّ نفَسْهُُ ، أَضَرَّ بِه ذَلِكَ في شِدَّةِ ملُكْهِِ ، أَوْ في لَذّاتِ بدَنَهِِ ، أَوْ في حُسْنِ ذكِرْهِِ فِي النّاسِ . أَوْ هَلْ تَجِدُ أَحَداً مِمَّنْ سَاءَتْ فِي النّاسِ سيرتَهُُ ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ مؤَوْنتَهُُ ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ مِنَ الْعِزِّ في ملُكْهِِ مِثْلُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ بِهِ في دنُيْاَهُ وَآخرِتَهِِ . فَلَا تَنْظُرْ إِلى مَا تَجْمَعُ مِنَ الأَمْوَالِ ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلى مَا تَجْمَعُ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَتَعْمَلُ مِنَ الْحَسَنَاتِ ، فَإِنَّ الْمُحْسِنَ مُعَانٌ ، وَاللّهُ وَلِيُّ التَّوْفيقِ وَالْهَادي إِلَى الصَّوَابِ ( 1 ) . ثُمَّ انْظُرْ في حَالِ كُتّابِكَ ، فَاعْرِفْ حَالَ كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ فيمَا يَحْتَاجُ إلِيَهِْ ، فَإِنَّ لِلْكُتّابِ مَنَازِلَ ، وَلِكُلِّ مَنْزِلَةٍ مِنْهَا حَقٌّ مِنَ الأَدَبِ لَا تَحْتَمِلُ غيَرْهَُ ( 2 ) . فَوَلِّ عَلى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ . وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتي تُدْخِلُ فيهَا مَكَائِدَكَ وَأسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ ( 3 ) صَالِحِ الأَخْلَاقِ ،

هامش
( 1 ) ورد في دعائم الإسلام للتميمي ج 1 ص 363 .
( 2 ) ورد في المصدر السابق . وتحف العقول ص 97 . ونهج السعادة ج 5 ص 92 . باختلاف يسير .
( 3 ) - لوجوه . ورد في نسخة الصالح ص 437 . ونسخة العطاردي ص 376 .