مُخَوَّفينَ . فَلَبِّثْ قَليلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ . وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ في جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرينَ وَالأَنْصَارِ وَالتّابِعينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، شَديدٍ زِحَامُهُمْ ، سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ ، مُتَسَرْبلينَ سَرَابيلَ الْمَوْتِ ، أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ . وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا في أَخيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ ، وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ( 1 ) . ثُمَّ لَا أَقْبَلُ لَكَ مَعْذِرَةً وَلَا شَفَاعَةً ، وَلَا أُجيبُكَ إِلى طَلَبٍ وَسُؤَالٍ ، وَلَتَرْجِعَنَّ إِلى تَحَيُّرِكَ وَتَلَدُّدِكَ . فَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ صَاحِبُ السَّيْفِ ، وَإِنَّ قاَئمِتَهَُ لَفي يَدي . وَقَدْ عَلِمْتَ مَنْ قَتَلْتُ مِنْ صَنَاديدِ بَني عَبْدِ شَمْسٍ ، وَفَرَاعِنَةِ بَني سَهْمٍ وَجُمَحٍ وَمَخْزُومٍ ، وَأَيْتَمْتُ أَبْنَاءَهُمْ ، وَأَيَّمْتُ نِسَاءَهُمْ . وَأُذَكِّرُكَ مَا لَسْتَ لَهُ نَاسِياً ، يَوْمَ قَتَلْتُ أَخَاكَ حَنْظَلَةَ وَجَرَرْتُ برِجِلْهِِ إِلَى الْقَليبِ ، وَأَسَرْتُ أَخَاكَ عَمْرواً فَجَعَلْتُ عنُقُهَُ بَيْنَ ساَقيَهِْ رِبَاطاً ، وَطَلَبْتُكَ فَفَرَرْتَ وَلَكَ حُصَاصٌ . فَلَوْ لَا أَنّي لَا أَتْبَعُ فَارّاً لَجَعَلْتُكَ ثَالِثَهَمَا . وَإِنّي أُولي لَكَ باِللهِّ أَلِيَّةً بَرَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ ، لَئِنْ جَمَعَتْني وَإِيّاكَ جَوَامِعُ الأَقْدَارِ لأَتْرُكَنَّكَ مَثَلًا يَتَمَثَّلُ بِهِ النّاسُ أَبَداً ، وَلأُجَعْجِعَنَّ بِكَ في مَنَاخِكَ ، حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْني وَبَيْنَكَ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمينَ . وَقَدْ مَضى مَا مَضى ، وَانْقَضى مِنْ كَيْدِكَ مَا انْقَضى . وَأَنَا سَائِرٌ نَحْوَكَ عَلى أَثَرِ هذَا الْكِتَابِ ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ، وَانْظُرْ لَهَا ، وَتَدَارَكْهَا . فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ وَاسْتَمْرَرْتَ عَلى غَيِّكَ وَغُلْوَائِكَ حَتّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اللّهِ ، أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ الأُمُورُ ، وَمُنِعْتَ أَمْراً هُوَ الْيَوْمَ مِنْكَ مَقْبُولٌ . يَا ابْنَ حَرْبٍ ، إِنَّ لِجَاجَكَ في مُنَازَعَةِ الأَمْرِ أهَلْهَُ مِنْ سفِاَهِ الرَّأْيِ ، فَلَا يُطْمِعَنَّكَ أَهْلُ الضَّلَالِ ، وَلَا يُوبِقَنَّكَ سفَهَُ رَأْيِ الْجُهّالِ ، فَوَ الَّذي نَفْسُ عَلِيٍّ بيِدَهَِ ، لَئِنْ بَرَقَتْ في وَجْهِكَ بَارِقَةٌ مِنْ ذِي الْفَقَارِ ، لَتُصْعَقَنَّ صَعْقَةً لَا تَفيقُ مِنْهَا حَتّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةُ الَّتي يَئِسْتَ مِنْهَا كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 2 ) .
تمام نهج البلاغة — صفحة 851
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٨٥١
هامش
( 1 ) هود ، 83 .
( 2 ) الممتحنة ، 13 . ووردت الفقرات في شرح ابن أبي الحديد ج 15 ص 84 . والبحار ( مجلد قديم ) ج 8 ص 519 . ونهج البلاغة الثاني ص 247 .