وفي ( نفحة اليمن ) قيل : إنّ الهادي العبّاسي كان مغرما بجارية تسمّى غادر ، وكانت من أحسن النساء وجها وأكثرهنّ أدبا وألطفهنّ طبعا وأطيبهنّ غناء ، فبينا هي ذات ليلة تنادمه ، وتغنيّه ، إذ تغيّر لونه وظهر أثر الحزن عليه فقالت : ما بالك لا أراك اللّه ما تكره . فقال : وقع في فكري السّاعة أنّي أموت وأنّ أخي هارون يلي الخلافة بعدي ، وإنّك تكونين معه كما أنت معي الآن فقالت : لا أبقاني اللّه بعدك أبدا وأخذت تلاطفه وتزيل هذا الخيال من خاطره ، فقال : لابدّ أن تحلفي لي أيمانا مغلّظة ألّا تقربي إليه بعدي ، فحلفت على ذلك وأخذ عليها العهود والمواثيق ، ثمّ خرج وأرسل إلى أخيه هارون وأحلفه ألّا يخلو بغادر ، وأخذ عليه من المواثيق الغليظة ما أخذ عليها ، فلم يمض إلّا شهر حتى مات الهادي ، وانتقلت الخلافة إلى هارون فطلبت الجارية فحضرت ، فأمرها بالأخذ في المنادمة ، فقالت : وكيف تصنع بتلك الأيمان والعهود فقال : قد كفّرت عنك وعن نفسي ثمّ خلا بها ووقعت من قلبه موقعا عظيما بحيث لم يكن يصبر عنها ساعة ، فبينا هي ذات ليلة نائمة في حجره إذ استيقظت مذعورة فقال : ما بالك فدتك نفسي قالت : رأيت أخاك ينشد :
أخلفت عهدي بعد ما * جاورت سكّان المقابر
ونسيتني وحنثت في * أيمانك الزّور الفواجر
ونكحت غادرة أخي * صدق الّذي سمّاك غادر
لا يهنك الألف الجديد * ولا تدر عنك الدوائر
فقال : فدتك نفسي انّما هي أضغاث أحلام ، فقالت كلّا ثم ارتعدت واضطربت بين يديه حتّى ماتت ( 1 ) . وفي ( العيون ) ، قال المدائني : احتضر رجل من العرب وله ابن يدبّ بين
هامش
( 1 ) نفحة اليمن للشرواني : 24 .