وأكثر منها ممّا لا يحصى كثرة . ولو كان نصف العالم وما فيه مشكلا صوابه لما كان من حزم الرأي وسمت الأدب أن يقضي على العالم بالإهمال ، لأنهّ كان في النصف الآخر وما يظهر فيه من الصواب والإتقان ما يردع الوهم عن التسرّع إلى هذه القضية ، كيف وكل ما كان فيه إذا فتّش وجد على غاية الصواب : حتى لا يخطر بالبال شيء إلّا وجد ما عليه الخلقة أصحّ وأصوب منه . واعلم يا مفضل أن اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجاري المعروف عندهم قوسموس وتفسيره الزينة ، وكذلك سمتّه الفلاسفة ومن ادّعى الحكمة ، أفكانوا يسموّنه بهذا الاسم إلّا لما رأوا فيه من التقدير والنظام فلم يرضوا أن يسموّه تقديرا ونظاما حتى سموّه زينة ليخبروا أنهّ مع ما هو عليه من الصواب : والإتقان على غاية الحسن والبهاء . أعجب يا مفضل من قوم لا يقضون على صناعة الطب بالخطأ وهم يرون الطبيب يخطى ء ويقضون على العالم بالإهمال ولا يرون شيئا مهملا ، بل أعجب من أخلاق من ادّعى الحكمة وجهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا ألسنتهم بالذم للخالق جلّ وعلا ، بل العجب من المخذول حين ادّعى علم الأسرار وعمي عن دلائل الحكمة في الخلق حتى نسبه إلى الخطأ ونسب خالقه إلى الجهل ، تبارك الحليم الكريم ( 1 ) . « وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحيّر فيه رأيك ويضلّ فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك » كما اتّفق لموسى عليه السّلام من جهله وتحيرّه وعدم بصره حكمة أعمال الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار . في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام قال : في كتاب علي عليه السّلام ان داود قال : يا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 366
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٦٦
هامش
( 1 ) توحيد المفضل : 167 - 176 ، بحار الأنوار ، ط مؤسسة الوفاء - بيروت 3 : 137 - 146 . باختلاف في بعض الألفاظ .