تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
فقد نرى كثيرا من الصالحين يرزقون المال بضروب من التدبير ، وكيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الكفّار هم المرزوقون والأبرار هم المحرومون فيؤثرون الفسق على الصلاح ، وترى كثيرا من الفساق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم ، كما عوجل فرعون بالغرق وبختنصر بالتيه وبلبيس بالقتل ، وإن أمهل بعض الأشرار بالعقوبة وأخرّ بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة لأسباب تخفى على العباد . ولم يكن هذا مما يبطل التدبير ، فإنّ مثل هذا قد يكون من ملوك الأرض ، ولا يبطل تدبيرهم ، بل يكون تأخيرهم ما أخرّوه وتعجيلهم ما عجلّوه داخلا في صواب الرأي والتدبير . وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب أن للأشياء خالقا حكيما قادرا فما يمنعه أن يدبّر خلقه ، فإنهّ لا يصلح في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلّا بإحدى ثلاث خلال : إمّا عجز ، وإمّا جهل ، وإمّا شرارة . وكلّ هذا محال في صنعته عزّ وجل وتعالى ذكره . وذلك أن العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة ، والجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب : والحكمة ، والشرّير لا يتطاول لخلقها وإنشائها . وإذ كان هذا هكذا وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبّرها لا محالة ، وان كان لا يدرك كنه ذلك التدبير ومخارجه ، فان كثيرا من تدابير الملوك لا تعرفه العامة ولا تعرف أسبابه ، لأنّها لا تعرف دخلة أمر الملوك وأسرارهم ، فإذا عرف سببه وجد قائما على الصواب : والشاهد لمحنه . ولو شككت في بعض الأدوية والأطعمة فتبين لك من جهتين أو ثلاث انهّ حار أو بارد ، ألم تكن تقضي عليه بذلك وتنفي الشكّ فيه عن نفسك ، فما بال هؤلاء الجهلة لا يقضون على العالم بالخلق والتدبير مع هذه الشواهد الكثيرة
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 365 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )