ذلك ، أمّا الأبرار فإنّهم يغتبطون بما هم عليه من البرّ والصلاح ويزدادون فيه رغبة وبصيرة ، وأمّا الفجّار فإنّهم يعرفون رأفة ربّهم وتطولّه عليهم بالسلامة من غير استحقاق ، فيحضهم ذلك على الرأفة بالناس والصفح عمّن أساء إليهم .
ولعلّ قائلا يقول هذه الآفات التي تصيب الناس في أموالهم فما قولك فيما يبتلون به في أبدانهم ، فيكون فيه تلفهم كمثل الحرق والغرق والسيل والخسف فيقال له : إنّ اللّه تعالى جعل في هذا صلاحا للصنفين جميعا ، أمّا الأبرار فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها والنجاة من مكارهها ، وأمّا الفجّار فلما لهم في ذلك من تمحيص أوزارهم وحبسهم عن الازدياد منها .
وجملة القول : إنّ الخالق تعالى ذكره بحكمته وقدرته قد يصرف هذه الأمور كلّها إلى الخير والمنفعة ، فكما انهّ إذا قطعت الريح شجرة أخذها الصانع الرفيق واستعملها في ضروب المنافع ، فكذلك يفعل المدبّر الحكيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم وأموالهم ، فيصيرها جميعا إلى الخير والمنفعة .
فإن قال : ولم تحدث على الناس قيل له : لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول السلامة ، فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البر ، فإن هذين الأمرين جميعا يغلبان على الناس في حال الخفض والدّعة ، وهذه الحوادث التي تحدث عليهم تردعهم وتنبّههم على ما فيه رشدهم ، فلو خلوا منها لغلوا في الطغيان والمعصية كما غلا الناس في أوّل الزمان حتى وجب عليهم البوار بالطوفان وتطهير الأرض منهم .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 362
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٦٢