المكروهة والقائل بهذا القول يذهب إلى أنهّ يجب أن يكون عيش الإنسان في هذه الدنيا صافيا من كلّ كدر ، ولو كان هكذا كان الإنسان يخرج من العتوّ والأشر إلى ما لا يصلح له في دين ولا دنيا ، كالذي ترى كثيرا من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن يخرجون إليه ، حتى أن أحدهم ينسى أنهّ بشر وأنهّ مربوب ، أو أن ضررا يمسهّ أو أن مكروها ينزل به ، أو أنهّ يجب عليه أن يرحم ضعيفا أو يواسي فقيرا أو يرثي لمبتلى أو يتحنّن على ضعيف أو يتعطّف على مكروب ، فإذا عضتّه المكاره ووجد مضضها اتّعظ وأبصر كثيرا ممّا كان جهله وغفل ، ورجع إلى كثير ممّا كان يجب عليه . والمنكرون لهذه الأمور المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة ، ويتسخّطون من منعهم من الأطعمة الضارة ، ويتكرّهون الأدب والعمل ، ويحبّون أن يتفرّغوا للّهو والبطالة وينالوا كلّ مطعم ومشرب ولا يعرفون ما تؤدّيهم إليه البطالة من سوء النشوّ والعادة ، وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من الأدواء والأسقام ، وما لهم في الأدب من الصلاح وفي الأدوية من المنفعة . وقد يتعلق هؤلاء بالآفات الّتي تصيب الناس فتعمّ البر والفاجر ، أو يبتلى بها البر ويسلم الفاجر منها ، فقالوا : كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم وما الحجّة فيه فيقال لهم : إنّ هذه الآفات وإن كانت تنال الصالح والطالح فإنهّ تعالى جعل ذلك صلاحا للصنفين كليهما ، أمّا الصالحون فإن الذي يصيبهم من هذا يزدهم ( 1 ) نعم ربهم عندهم في سالف أيامهم فيحدوهم ذلك على الشكر والصبر ، وأمّا الطالحون فان مثل هذا إذا نالهم كسر شرّتهم وردعهم عن المعاصي والفواحش ، وكذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا في
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 361
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٦١
هامش
( 1 ) في البحار 3 - 139 يردّهم ، والظاهر أنه : يذكّرهم .