وأحرقت الديار ، وانتهبت الأموال ، وذلك في سنة ( 196 ) فقيل في ذلك :
تقطّعت الأرحام بين العشائر * وأسلمهم أهل التقى والبصائر
فذاك انتقام اللّه من خلقه بهم * لما ارتكبوه من ركوب الكبائر
فلا نحن أظهرنا من الذنب توبة * ولا نحن أصلحنا فساد السرائر
ولم نستمع من واعظ ومذكر * فينجع فيا وعظ ناه وآمر
فلا فاجر للبرّ يحفظ حرمة * ولا يستطيع البرّ دفعا لفاجر
تراهم كأمثال الذئاب رأت دما * فأمتّه لا تلوي على زجر زاجر
وأصبح فسّاق القبائل بينهم * تشدّ على أقرانها بالخناجر
فنبكي لقتلى من صديق ومن أخ * كريم ومن جار شفيق مجاور
ووالدة تبكي بحزن على ابنها * فيبكي لها من رحمة كلّ طائر
وذات حليل أصبحت وهي أيّم * وتبكي عليه بالدموع البوادر
وإبراز ربّات الخدور حواسرا * خرجنّ بلا خمر ولا بمآزر
تراها حيارى ليس تعرف مذهبا * نوافر أمثال الظباء النوافر
وآبت لاحراق وهدم منازل * وقتل وانهاب اللّهى والذخائر
كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا * وملهى رأته عين لاه وناظر
بلى هكذا كانت فأذهب حسنها * وبدّد منها الشمل حكم المقادر
وحلّ بهم ما حلّ بالناس قبلهم * فأضحوا أحاديثا لباد وحاضر
- إلى أن قال - ولم تزل الحرب بين الفريقين أربعة عشر شهرا ، وضاقت بغداد بأهلها ، وتعطّلت المساجد ، وتركت الصلاة ، ونزل بها ما لم ينزل قط مذ بناها المنصور - إلى أن قال - : ولمّا ضاق بالأمين الأمر أمر قائدا من قواّده يقال له ذريح - وقرن معه آخر يعرف بالهرش - أن يتبع أصحاب الأموال والذخائر من أهل الملّة ، وغيرهم فكانا يهجمان على الناس ويأخذان بالظنة ، فهرب الناس بعلّة الحجّ .