تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦

وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتّصغير بهم ، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرّضا ما عملت حتّى كفانا اللّه المهمّ من ذلك ، فاللهّ اللّه أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا ، فاصرف رأيك عن ابن الرّضا ، واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره . فقال لهم المأمون : أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب ، فأنتم السّبب فيه ، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم ، وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم ، فقد كان به قاطعا للرّحم ، وأعوذ باللهّ من ذلك ، وو اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا ، ولقد سألته أن يقوم بالأمر فأنزعه عن نفسي ، فأبى وَكانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ( 1 ) ، وأمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبرزّه على كافّة أهل الفضل ، في العلم والفضل ، مع صغر سنهّ والأعجوبة فيه بذلك ، وأنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه ، فيعلموا أنّ الرّأي ما رأيت . فقالوا : إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنهّ صبي لا معرفة له ، ولا فقه ، فأمهله حتّى يتأدّب ويتفقهّ في الدّين ، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك . فقال لهم : ويحكم أنا أعرف بهذا الفتى منكم ، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه ومن إلهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدّين والأدب عن الرّعايا النّاقصة عن حدّ الكمال ، فإن شئتم فامتحنوه بما يتبيّن لكم ما وصف به من حاله . قالوا : فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشّريعة ، فإن أصاب الجواب لم يكن لنا اعتراض في أمره . فقال لهم : شأنكم وذاك . فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم - وهو يومئذ قاضي الزّمان - على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع ، فأجابهم ، فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه وحضر معهم يحيى ،

هامش
( 1 ) الأحزاب : 38 .