تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣

وهو عليه السّلام وإن قال : « تعرفها قلوب المؤمنين » ليس مفهومه أنّ المنافقين لا يعرفونها ، لكن كانوا في فضائله عليه السّلام كما في آياته تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا . . . ( 1 ) ، فمرّ أنّ المغيرة وهو الّذي وضع سبهّ عليه السّلام أوّلا حتّى يتقرّب بذلك إلى معاوية ، قال لصعصعة : إنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك . « ولا تمجّها آذان السامعين » حتّى مثل معاوية والحجّاج ، وباقي معانديه عليه السّلام ، روى أبو نعيم في ( حليته ) عن أبي صالح قال : دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية ، فقال : صف لي عليّا . فقال : أو تعفيني قال : لا أعفيك . قال : أما إذ لا بدّ فإنهّ كان واللّه بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، ينفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدّنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان واللّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفهّ ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطّعام ما جشب ، كان واللّه كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقربّه إلينا وقربه منّا وتقريبه لنا لا نكلمّه هيبة له ، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدّين ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد باللهّ لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه ، يميل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول : ربّنا ربّنا - يتضرّع إليه - ثمّ يقول للدّنيا : إليّ تغرّرت أم إليّ تشوّقت هيهات هيهات غرّي غيري ، قد بتتك ثلاثا ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير ، آه

هامش
( 1 ) النمل : 14 .