مبروّا مذروّا في أقطار السماوات والأرضين ، لم يأت بشيء على غير ما أراد أن يأتي عليه ، ليرى عباده آيات جلاله وآلائه . فسبحانه لا إله إلّا هو الواحد القهّار - إلى أن قال - لقد لطف علمك ، وجلّت قدرتك عن التفسير ، إلّا بما دعوت إليه من الاقرار بربوبيّتك وأشهد أن الأعين لا تدركك ، والأوهام لا تلحقك ، والعقول لا تصفك ، والمكان لا يسعك ، وكيف يسع المكان من خلقه وكان قبله ، أم كيف تدركه الأوهام ، وكيف تؤمر الأوهام ، ولا نهاية له ولا غاية ، وكيف يكون له نهاية وغاية ، وهو الّذي ابتدأ الغايات والنّهايات ، أم كيف تدركه العقول ، ولم يجعل لها سبيلا إلى إدراكه ، وكيف يكون لها سبيل إلى إدراكه ، وقد لطف بربوبيتّه عن المحاسّة والمجاسّة ، وكيف لا يلطف عنهما من لا ينتقل عن حال إلى حال ، وقد جعل الانتقال نقصا وزوالا فسبحانك ملأت كلّ شيء ، وباينت كلّ شيء . فأنت الّذي لا يفقدك شيء ، وأنت الفعّال لما تشاء ، تباركت يا من كلّ مدرك من خلقه ، وكلّ محدود من صنعه . أنت الّذي لا يستغني عنك المكان والزمان ، ولا نعرفك إلّا بانفرادك بالوحدانيّة والقدرة » ( 1 ) . وما نقله البحراني في ( الصحيفة العلويّة ) : « الحمد للهّ أوّل محمود ، وآخر معبود ، وأقرب موجود . البدء بلا معلوم لأزليتّه ولا آخر لأولّيته ، والكائن قبل الكون بلا كيان ، والموجود في كلّ مكان بلا عيان ، والقريب من كلّ نجوى بغير تدان . علنت عنده الغيوب ، وضلّت في عظمته القلوب ، فلا الأبصار تدرك عظمته ، ولا القلوب على احتجابه تنكر معرفته ، يمثل في القلوب بغير مثال تحدهّ الأوهام أو تدركه الأحلام . ثمّ جعل من نفسه دليلا على تكبرّه عن الضّدّ والنّدّ ، والشّكل والمثل ،
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 457
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٥٧
هامش
( 1 ) أخرجه المسعودي في إثبات الوصية : 106 .