تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
يبلغون نعته ، وحدّ الأشياء كلّها عند خلقه إبانة لها من شبهه ، وإبانة له من شبهها ، لم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن ، ولم يخل منها فيقال له أين ، لكنهّ سبحانه أحاط بها علمه ، وأتقنها صنعه ، وأحصاها حفظه ، لم يعزب عنه خفيّات غيوب الهوى ، ولا غوامض مكنون ظلم الدّجى ، ولا ما في السماوات العلى إلى الأرضين السّفلى . لكلّ شيء منها حافظ ورقيب ، وكلّ شيء منها بشيء محيط ، والمحيط بما أحاط منها ، الواحد الأحد الصّمد ، الّذي لا يغيرّه صروف الزّمان ، ولا يتكأده صنع شيء كان ، إنّما قال لما شاء كن فكان . ابتدع ما خلق بلا مثال سبق ، ولا تعب ولا نصب ، وكلّ صانع شيء ، فمن شيء صنع ، واللّه لا من شيء صنع ما خلق ، وكلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم ، واللّه لم يجهل ولم يتعلّم ، أحاط بالأشياء علما قبل كونها ، فلم يزدد بكونها علما علمه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها ، لم يكوّنها لتشديد سلطان ، ولا خوف من زوال ونقصان ، ولا استعانة على ضدّ مناو ، ولا ندّ مكاثر ، ولا شريك مكابر ، لكن خلائق مربوبون ، وعباد داخرون . فسبحان الّذي لا يئوده خلق ما ابتدأ ، ولا تدبير ما برأ ، ولا من عجز ولا من فترة بما خلق اكتفى ، علم ما خلق ، وخلق ما علم ، لا بالتفكير في علم حادث أصاب ما خلق ، ولا شبهة دخلت عليه في ما لم يخلق ، لكن قضاء مبرم ، وعلم محكم ، وأمر متقن ، توحّد بالرّبوبية ، وخصّ نفسه بالوحدانيّة ، واستخلص بالمجد والثناء ، وتفرّد بالتّوحيد والمجد والثناء ، وتوحّد بالتحميد ، وتمجّد بالتّمجيد ، وعلا عن اتّخاذ الأبناء ، وتطهّر وتقدّس عن ملامسة النساء ، وعزّ وجلّ عن مجاورة الشركاء . فليس له في ما خلق ضدّ ، ولا له في ما ملك ندّ ، ولم يشركه في ملكه أحد .