هذا مع أنّ في الجمع بينهما مهما أمكن أولى من الطرح ، فإنّ في هذا الجمع يحصل طرح أيضا - كما يستلزم الجمع العرفي للطرح - لظهور الأمارة أو لظهور الأمارتين معا ، ضرورة سقوط أصالة الظهور في أحد الدليلين كما في « لا يجوز الارتماس للصائم والمحرم » و « يجوز الارتماس لهما » .
فإنّ الجمع مهما أمكن يقتضي القول بأن الأوّل ظاهر في الحرمة ، فنرفع اليد عن هذا الظهور لأجل صراحة الثاني في الجواز ، وهذا الجمع - وإن كان بعيدا عن العرف لأنّ العرف يرى منافاة واضعة بين « لا يجوز » و « يجوز » - يقتضي سقوط أصالة الظهور في الأوّل ، أو قد يقتضي سقوط أصالة الظهور في كلا المتعارضين مع هذا الجمع .
فإذا الغرض من تأسيس قاعدة ( الجمع مهما أمكن أولى من الطرح ) وهو عدم الطرح لم يتحقق ، لحصول الطرح في الظهورين أو أحدهما مع جمعهم هذا أيضا .
وقد عرفت : أنّ سندي المتعارضين إذا كانا قطعيين فإنّ التعارض سوف يكون بين الظهورين ، وأمّا إذا كان السندان ظنيين فالتعارض سوف يكون بين السندين .
وقد عرفت أيضا : أنّ مقتضى التعارض إنّما هو سقوط المتعارضين في خصوص كل ما يؤديان إليه من الحكمين في مدلولهما المطابقي - إذ يدل أحدهما التزاما على نفي الثالث كما مرّ - وليس مقتضى التعارض هو بقاء المتعارضين على الحجيّة كما هو مقتضى قاعدة « الجمع أولى من الطرح مهما أمكن » الموجبة للتصرف في ظهور كلا المتعارضين أو في أحدهما - فيما لو كان السندان قطعيين - ، أو بقاء سندي المتعارضين على الحجيّة - فيما لو كان السندان ظنيين - كذلك ، أي والتصرف في ظهور كلا المتعارضين أو في أحدهما ، إذ لا دليل يساعد على حجيّة المتعارضين أو السندين لا من العقل لما مرّ من أنّ مقتضى العقل هو سقوط كلّا المتعارضين عن الحجّية في تمام مدلولهما المطابقي ، ولا من النقل ؛ لأنّ مقتضى
تيسير الوصول إلى مطالب كفاية الأصول — صفحة 304
مساهمون: السيد علي الحلو
ص٣٠٤