تفضيل الرؤية الإسلامية للعقل . فهو من جهة يقرّر الحقائق ويستند إلى آيات الكتاب العزيز ، ويجعل البرهان والبيان والوجدان ثلاثة مسالك للوصول إلى الحقيقة « 1 » ، فهو عليه السلام يقول :
يا هشام ، إنّ اللَّه تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ، ونصر النبيّين بالبيان ، ودلّهم على ربوبيته بالأدلّة « 2 » .
ثمّ ساق معها الإمام عليه السلام الآيتين 163 و 164 من سورة البقرة ، وقد جعل الإمام عليه السلام العقل بمصاف الرسل ، فجعله الحجّة الباطنة ، أي قسيم الحجّة الظاهرة وهي الأنبياء والرسل والمعجزات .
المبحث الثاني : إمكان المعرفة
من أوائل ما يطرحه العقل من أسئلة أساسية : هل المعرفة متاحة ؟ وهل بإمكان العقل البشري حيازة المعرفة ؟ وهل يمكن فهم التحوّلات من المجهول إلى المعلوم . . . ؟
هذه المباحث يجمعها عنوان ( إمكان المعرفة ) .
بدءاً لابدّ من التفريق بين الإمكان الكلّي والإمكان النسبي ، فالإمكان الكلّي ؛ أي التصوّر بأنّ الإنسان بإمكانه أن يحيط بالعلم بما يمكنه التوصّل إلى الحقيقية المطلقة .
والإمكان النسبي ؛ هو قدرة الإنسان على إدراك ما يمكن إدراكه بحسب القدرات والمستوى المتاح من المعرفة مع اعتبار قيد الزمان والمكان ، وبالعبور السريع على هذا الخلاف - لعدم حاجة البحث له - نقول : إنّ الإمكان بالمعنى الأعمّ هو رأي العلماء جميعاً .
فطالما أنّ المعرفة ممكنة ، فهل الإنسان المسلم مخيّر بين اكتسابها ، أو عدم اكتساب المعرفة من جهة الحكم التكليفي ؟ وبالمتابعة نجد أنّ موقف الإسلام ، بل موقف مذهب أهل البيت عليهم السلام ، أنّ العلم فرض ، والفرض إمّا فرض اجتماعي ( يأخذ
هامش
( 1 ) . انظر : حلقات نقد العقل العربي لشروع الجابري ، البنية والتكوين ، نقد العقل السياسي .
( 2 ) . أُصول الكافي : ج 1 ص 5 ح 12 .