ومنذ القدم انقسم المفكّرون إلى أصحاب النزعة التوكيدية الذاهبين إلى أنّ العقل يمكن أن يوصل إلى اليقين ، وأصحاب النزعة الشكلية الذين يشكّون في إمكان تحصيل الحقيقة العلمية ، وقد حوّل المتأخّرون الشكّ إلى منهج ، وهو ( خطوة على طريق البحث عن المعرفة الصحيحة ) .
وانقسموا من حيثية ثانية إلى أربعة شرائح : العقليّون الذاهبون إلى أنّ العقل يستقلّ بالإدراك دون مقدّمات تجريبية ، وتجريبيون ذاهبون إلى أنّ الخبرة الحسّية هي مصدر المعرفة ، وحدسيون قائلون بوجود ملكة أُخرى للمعرفة ( التجربة الوجدانية ) سمّوها الحدس
) intuition (
، وبرجماتيون
) pragmatism (
يذهبون إلى أنّ صحّة الفكر تعتمد على ما يؤدّي إليه من نتائج عملية ناجحة .
ممّا تقدّم يتبيّن أنّنا نريد أن نحدّد ملامح نظرية المعرفة بالاستناد إلى مرجعية معيارية مخزونة في كتاب الكافي لثقة الإسلام الكليني ، التي تنقل الرواية عن آل البيت عليهم السلام ، ليصحّ القول إنّها نظرية المعرفة عند الإمامية .
المبحث الأوّل : قيمة العقل في مرويات « الكافي »
إذا كان البخاري قد افتتح جامعه بحديث : « إنّما الأعمال بالنيّات » ، فإنّ الكليني ابتدأ كتابه بحديث ( خلق العقل ) ، فقد روى عن الباقر عليهم السلام إنّ العقل هو المخاطب بالتكاليف ، وعليه المدار في الجزاء ، وجاء فيه :
أمَا إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى ، وإياك أُعاقب وإياك أُثيب « 1 » .
وعن محمّد بن سنان ، عن أبي الجارود ، عن الإمام الباقر عليهم السلام ، قال :
إنّما يُداقّ اللَّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا « 2 » .
هامش
( 1 ) أصول الكافي : ج 1 ص 5 ح 1 .
( 2 ) المصدر السابق : ح 7 .