تدلّ هذه النقول على أنّ « عن » تدلّ على مجرّد انفصال الشيء عن الشيء وابتعاده عنه ، فقولنا « سافرت عن البلد » بمعنى خرجت عنه وابتعدت عنه ، وانفصلت عنه ، يعني تجاوز سفري البلدَ .
ومن هنا يُعرف الفرق بين التجاوز في « عن » والابتداء في « من » في قولنا « سافرت من البلد إلى الضيعة » ، فإنّه يدلّ على أنّ شروع السفر كان من البلد منتهياً إلى غاية ، فالغرض من « سافرت من » هو بيان محلّ الشروع في السفر ، الّذي يقتضي نهايةً ، وإن اقتضى انفصالًا وخروجاً من البلد ، إلّا أنّ الغرض الإفصاح عن الابتداء دون مجرّد الانفصال . وإنّ الغرض من « سافرت عن » هو محلّ الانفصال بالسفر والخروج ، وهو البلد ، وإن كان هو المبدأ أيضاً ، إلّاأنّ الغرض هو التعبير عن مجرّد الانفصال ، دون أن يذكر له منتهىً وغاية .
وقد استُعملتْ « عن » بمعنى « مِنْ » ومرادفةً لها ، وهذا هو المعنى السابع ممّا ذكره لها في القاموس « 1 » .
قال أبو عبيدة في قوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ »
« 2 » : أي مِنْ عباده .
وقال الأصمعي : حدّثني فلان مِنْ فلان ، يريد « عنه » ، ولَهِيْتُ من فلانٍ وعنه .
هامش
( 1 ) . القاموس المحيط : ج 4 ص 250 ، وانظر شرحه تاج العروس : ج 9 ص 383 مادّة « عنن » .
( 2 ) . سورة الشورى 42 : 25 .