ولهذا الأمر تفصيل له موضع آخر .
وكانت دعوته سراً ثم أمره الله تعالى بالجهر بقوله :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
« 1 » .
فقام بهذه الدعوة العظمى ، مجاهراً بها ، منادياً بنبذ أوثانهم ، وترك ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم .
برهان ظريف على النبوّة
قام بها وحده ، لا قوة له ، ولا حول ، ولا أجناد ، ولا أتباع .
ولم يكن في آبائهم ذو سلطان ، فيطالب بسلطانه ، ويروم استرجاع ما سلب من ملكه .
ما هذا الذي رفع نفس ذلك الأمي اليتيم ؟
وما الذي سما بهمّته حتى نهض للإرشاد الأمم ، وأحيا الملل ؟
ما هو إلا الوحي الإلهي ، والعناية الربانية ، والمحنة القدسية ، ودعوة الحق التي لا يخشى من جاهر بها وصابر عليها .
وان ذلك الثبات في المقام الزلزال ، والنهوض بأعباء تلك الأثقال ، وتلك القوة في ذلك الضعف ، وذاك السلطان مع ذلك العجز ، لأقوى البراهين على النبوة وصدق الدعوة ، وإلَّا فما هذا العلم في تلك الأمية ، والعرفان في غمرات الجاهلية .
إن الحق لأوضح من ذلك .
وليس يصح في الأفهام شيء * إذا احتاج النهار إلى دليلِ
ولكن : ومن يك ذا فم مرّ [ مريض ] * يجد مراً به العذب الزلالا
وقد بان من هذا : انه قد ظهر من محمد قبل بلوغه الأربعين ، ودعواه تكليم الملاك له أمور كثيرة يعلم الناس منها أهليته للنبوة والرسالة .
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 94 .