وقد أعلم محمداً بموته قبل حين من الزمان ، حتى حجَّ حجة الوداع ، وخطب تلك الخطبة الباهرة التي لا يصدر مثلها إلا من أكرمه الله بالنبوة واصطفاه بالرسالة .
الوجه الثاني
ولنا أن نقول إنه لم يمت كسائر الناس ؛ لأن الله ( عز وجل ) خيَّره بين لقائه وبين الحياة ، فاختار الرفيق الأعلى وقال ( لقاء ربي خير لي ) .
ولم نعهد أحداً من البشر بلغ تلك الغاية من الكرامة على الله حتى جعل الأمر إليه يختار ما يشاء ، كما أنا لا نظنّ بأحد أنّه يخيّر بين البقاء وبين الموت فيختار الموت ، اللهم إلا أن يبلغ تلك المرتبة التي بلغها محمد ( ص ) من حبّ لقاء ربه ، أو يقف على ما أعدّه الله في دار الخلد والبقاء .
ولم يكن ( ص ) بلغ من العمر ما يود معه الموت ، ولا كان في معيشة يهوى مفارقة الحياة لأجلها ، وإنما اختار الموت عند زهو الدنيا له ، وإقبالها عليه ، وعند نفوذ سلطانه ، وانتشار دينه ، وظهور أمره .
الوجه الثالث
ولنا أن نقول إنه لم يمت كسائر الناس ؛ لأنّ ملك الموت استأذن منه فأذن له وقال له امض لما أمرت ، ولم يستأذن على أحد قبله ولا يستأذن على أحد بعده .
الوجه الرابع
ولأنّ روح القدس جبرائيل كان يهبط عليه في مرضه كل يوم وليلة ، فيقرأه عن ربه السلام ، ويهوِّن عليه ما يلقى تشريفاً له وتكريماً .
الوجه الخامس
ولما ورد في النقل عن أمير المؤمنين ( ص ) أنه قال : ( ولقد وليت غسله ، والملائكة أعواني ، فضجت الدار والأفنية ، ملأ يهبط ، وملأ يعرج .