بما كلّف من الأعمال ، وتأمل في هذه الملل المختلفة والمذاهب المتشعبة ، وانّ الحق لا يكون في جهتين متناقضتين .
ولا عذر لأحدٍ في تقليد أبٍ أو جدٍ ولا الأخذ بمذهب أو ملّة ، من غير دليل ولا حجة ، فالنّاس من جهة الآباء والأجداد شرع سواء .
فلو كان ذلك منجياً لنجا الكل وسلم الجميع ، ويلزم من ذلك بطلان الشرايع والأديان ، وتساوي الكفر والإيمان ؛ فإنّ الكفار وعباد الأوثان يقتفون آثار آبائهم ولا عذر لهم في ذلك ، ولا ينجيهم التقليد من العطب والمهالك .
فانقذوا أنفسكم من عذاب النار ، وغضب الجبار ، يوم تبلى السرائر ، وتُهتك الأستار ، ولا ينفع هنالك شفيع ولا حميم ، ولا ناصر ولا مجير .
فعليكم بالتخلية عن الأغراض المانعة من التوجه إلى الحق ، والعلل الصارفة عن الرشد ، ونزع النزوع إلى مذاهب الآباء والأجداد ، والتوجه إلى ربّ العباد ، والاجتهاد في طلب ما ينجي من عذاب يوم المعاد .
وذلك يحتاج إلى رياضة للنفس نافعة ، ومجاهدة لها ناجعة ، وقد قال الله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 1 »
.
وبذلك نطق كل كتاب منزل ، وجاء به نبي مرسل ، ودلّ عليه كل عقل سليم ، وهدى إليه كل نظر ثابت مستقيم .
فالله الله في عقائدكم فاصلحوها ، وفي أعمالكم فصحّحوها ، وفي أنفسكم فانقذوها ولا تهتكوها ؛ فما لأحد غير نفسه عند فراق روحه وحلوله في رمسه .
وما أردت بكلامي هذا إلّا النصح لكم ما استطعت وإن كنتم لا تحبون النّاصحين .
فقالوا : كلامكم على عيوننا وفوق رؤوسنا ، ونحن طالبون للحق ، راغبون في الصّواب والصّدق .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : 69 .