ثمَّ أَنَّ من المعلوم أَنّ المكتوب بالسواد في المصحف المتداول بين السواد ، أنما هو رواية واحدة من الروايات عن قراءة واحدة من القراءات ، والروايات مفصّلة في محالّها ، محققّة في مظانّها ، معلومة عند حملتها ، مضبوطة عند سدنتها ، والناس في صغرهم يتعلمون هذه الرواية الخاصّة والقراءة الناصّة ، فإذا كبروا ولم يأتوا العلوم من أبوابها ، ولم يخضعو لسدنتها وأربابها ، تخيلّوا أَنّ هذا هو الوحيُ النازل وأَنّ ما عداه غلط وباطل .
وقد أتفّق مثله في عصرنا هذا الذي ضلَّت فيه المدارك ، وأَظلمت فيه المسالك في تعين قراءة مالك في فاتحة الكتاب ، وتُوهّم أَنّهُ فقط محض الصواب فسئلني بعض الأحباب أن أشرح له ما في الباب ، وأُميّز له القشر من اللباب ، فرسمت هذا المختصر ببيان منقّح محرّر وسمّيته ( إِنارة الحالك في قراءة ملك ومالك ) ، ومن الله أرجو التوفيق والسداد في المبدء والمآب ، ولنقدّم الكلام في مقدّمات نافعة مُهمّة فاتحة لأبواب .
المقدمة الأولى
إذا قلنا بتواتر القراءات السبعة إِو إِجماع علماء الاسلام طُرّاً على جواز القراءة بكلّ منها فلا إِشكال ، وعلى تقدير عدمهما وكون المنزّل واحدا يحكي عنه هذه القراءات فقد يقال : إِنَّ مقتضى الدليل أو القاعدة أيضا ذلك ، وذلك لوجوه :
أحدها : أصالة التخيير في كل حجّتين متعارضتين فإِنَّ إِطلاق الدليل الدالّ على الحجيّة لوعمومه شامل لصورة التعارض ، فإِن حال القراءات الحاكية عن المنزل حال الروايات الحاكية عن قول المعصوم ( ع ) ، فكما يقال فيها باقتضاء إِطلاق الدليل فيها وجوب العمل بكل خبر لم يعلم بكذبه ، فإذا أبتلى بالمعارض وتعذر العمل بكليهما حكم العقل بالتخير ووجوب القراءة وبعد قيام الإجماع على عدم وجوب الجمع وارتفاعه بالحرج تخيرّ في العمل .