النار من حيث أن العقول يشتعل عنها ، ثم إذا حصّل العلوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت كان كالمصباح فإذا استحضرها كان نورا على نور .
ورابعها : أن المراد بالنور هو الموجود ، إذ حقيقة النور هو الظاهر بنفسه ، المظهر لغيره وما هو الظاهر بنفسه والمظهر لجميع ما عداه ليس إلا صرف الوجود ولذا يطلق عليه النور ، ونور النور ، ونور الأنوار ، فالمراد من قوله سبحانه :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 » أنه تعالى صرف الوجود الظاهر بنفسه المظهر لسماوات العقول ، والأرواح ، والمجرّدات ، والأرض الأجسام ، والماديات ، والمراد بنوره الوجود المفيد الفائض فيه ، وبالمشكاة عالم الأجسام ، وبالزجاجة ، عالم النفوس ، والأرواح ، وبالمصباح عالم العقول ، والمجرّدات الصرفة ، ووجه المناسبة أن الأنوار المشرقة من حضرة الوجود المطلق ، أعني الوجودات المفيدة الفائضة منه تعالى يشرق أولًا على عالم العقول التي هي كالمصباح لفرط نوريته ولطافته ثم على عالم الأرواح التي هي كالزجاجة من ضيائها ، وقابليتها للإشراق ، والإضاءة وإفاضتها على الغير ثم على عالم الأجسام التي هي كالمشكاة من ظلمتها ، وكثافتها ، وقابليتها للإضاءة لأنها قابلة للأرواح كالمشكاة القابلة للأنوار .
فالمراد أنّ مثل النور الفائض منه على العقول ، والأرواح ، والأجسام مثل المصباح المشتعل في القنديل من الزجاج الواقع في المشكاة ، أي كما أن النور يشتعل أولا في المصباح ثم القنديل ثم في المشكاة فكذلك الوجود الفائض منه تعالى يفيض إلى العقول أولا ، ثم إلى الأرواح ، ثم إلى الأجسام ، والزجاجة كأنها كوكب درّيّ أي كثير الضوء مثل الزهرة ، والمشتري إذ عالم النفوس ، والأرواح في الظهور ، والنورانية واسطة بين عالم العقول ، وعالم الأجسام ، كما أنّ الدراري في النورية ، والإضاءة واسطة بين النيرين ، وبين الكواكب القليلة الضوء ، وهذا المصباح أو الزجاجة أو الدري يتوقّد من الشجرة المباركة التي هي
هامش
( 1 ) سورة النور : 35 .