نرى أنّ السبب في ذلك يعود إلى الاختناق السائد في العصر العباسي وخاصة عصر المتوكل الذي عرف بتشدّده حيال الشيعة وحرث مدفن الإمام الحسين عليه السّلام ، فلذلك لم يجرأ أحد من الشعراء المعاصرين له أن يرثيه على الرغم من أنّه كان استاذاً لبعض معاصريه . ونرى صاحب وفيات الأعيان قد تشكك في سنة وفاته قائلًا إنّه « توفّيَ في أيّام المتوكل سنة خمس أو ستّ وثلاثين ومأتين » . « 1 »
بيئة الشاعر
ولمّا تحوّلت عاصمة الخلافة الإسلامية من دمشق الموالية للأمويين إلى بغداد الموالية للعباسيين أصبحت مدينة حمص ، مسقط رأس الشاعر مركزاً من مراكز المعارضة السياسية للسلطة العباسية ، وكان هذا الأمر قد حدث في أكثر مدن الشام التي أصابها الضُّر بسبب انتقال عاصمة الخلافة عنها إلى بغداد ، فأصبحت مدينة مضطربة دائمة الرّفض دائمة الثورة . إنّ كتب التاريخ مليئة بالثّورات التي أجّج نارها أهل حمص في وجه ولاة العباسيين والتي كانت تشهد دائماً ثورات مسلّحة ضدّ الحكومة الفاسدة . لقد عايش ديك الجن بعض هذه الثورات الدّامية فتركت في نفسه ما تركت من آثارها فكان من أكثر أبناء حمص عنفاً وانفجاراً . « 2 »
عاش ديك الجن في العصر العباسي الأول الممتدّ من سنة 132 ه إبّان خلافه أبي العباس السفاح أول خليفة عباسي إلى سنة 232 ه بدء خلافة المتوكل بن المعتصم . وإذا لاحظنا تاريخ ولادة الشاعر وهى سنة 161 ه فإنّه قد شاهد خلافة عددٍ من خلفاء بني العباس .
شهد عصر ديك الجنّ تحولات هامّة على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية ، فالخلافة في غير أيدي أصحابها الحقيقيين وهؤلاء يضطهدون ويقتلون وهم أصحاب الحق فيها . والشعراء في الغالب يمدحون ويتزلّفون مرتزقين من بلاط السّلطة أو من ولاة الدولة . وقد أصبحت الاتهامات بالزندقة ذريعة بأيدي السلطات العباسية للبطش بالخصوم
هامش
( 1 ) - ابن خلكان ، ج - 3 ص 185 .
( 2 ) - انظر : الحجي ، ص 25 .